كتبت سلمى أرباب
موكب حب”.. هل سألنا أنفسنا يوماً كيف يمكن لكائنٍ بمفرده أن يكون موكباً كاملاً؟
الموكب في غواية الذاكرة ضجيجٌ وألوان، احتفال وازدحام فاخر بالبهجة. لكن في حضرة الشوق، يختزل المحبوب الزحام كله في عينيه؛ تصبح مشيته موكباً، وصوته موكباً، وحضوره طوفاناً جارفاً يملأ فراغات الروح، فلا يعود العاشق يرى في الكون أحداً سواه.
تنبثق كلمات نجاة بصوتها المخملي الذي يشبه وشوشة الفجر، لترسم للمحبوب ملامح لم تكن لغيره. إنه ليس مجرد عابرٍ استوطن القلب، بل هو الوجود كله حين يكتمل؛ هو الأم في حنانها غير المشروط، والأب في ثباته وأمانه، والأخ الذي يسند تعب الأيام. ولم يكن عبثاً أن همست نجاة بنبرتها الدافئة: (يا صاحبي).. لم تقل “يا صديقي”، فنداء الصداقة قد تفصله مسافات الغياب وتباعد الأيام، أما “يا صاحبي” فهي التصاق الروح بالروح، مرافقة الظل للجسد في وعورة الطريق، واقتسام أنفاس العمر خطوة بخطوة.
لقد كان هذا الإنسان يعيش في الدنيا كعابرٍ صامت، عاشته الحياة وتداولته الأيام لكنه لم يعشها حقاً؛ كان مجرد ظلٍ يتحرك في هوامش الوقت، يتنفس بلا شغف، ويمضي بلا وجهة. كانت سنينه صفحاتٍ بيضاء لم يكتب فيها الفرح سطراً واحداً، وظل قلبه أرضاً مجدبة يملؤها الجفاف، حتى بدا الفرح في عينيه غيمة بعيدة يرجوها ولا تطالها يداه، تماماً كما غنت نجاة: (دا الفرح وردي دا من زمان عطشان).
ولكن، حين تلاقت الطرقات وأقبل ذلك المحبوب بموكبه، تبدلت تضاريس الروح؛ كأن الوجود كله قد انحنى ليولد من جديد في تلك اللحظة. لم يعد الزمن مجرد ساعات تُهدر، بل صار يُقاس بالنبضات وبدفء الحنان الذي انسكب في صدره بعد طول ظمأ. هناك، وعند تلك العتبة الفاصلة بين العدم والحياة، التفت إلى ماضيه البعيد، ونداء نجاة يتردد في أعماقه كمناجاة مقدسة: (اسقيني يا حب عمري بالفرحة ومن الحنان). لقد كان لقاؤهما هو المعجزة التي جعلت ذلك الجسد البارد يورق بالخضرة، ولأول مرة، شعر بأنه لا يمر في الحياة فحسب.. بل إن الحياة، بكل صخبها وجمالها، باتت تعيش في داخله.
وفي غمرة هذا الارتواء، تتجلى أعظم معجزات الحب؛ حين يتحول ذلك المحبوب من مجرد رفيق درب إلى ملاذٍ آمن، ووطنٍ لا يُغارَد. إنها اللحظة التي تهمس فيها نجاة بكل خضوع الروح: (أنا من ساعة ما شفتك حسيت بالأمان). الأمان هنا ليس غياب الخوف، بل هو حضور المحبوب الذي يجعل الخوف مستحيلاً. عندها، تلقي الروح المتعبة كل أسلحتها، وتتخلى عن حذرها القديم، وتسلم له مقاليد الأمور طائعة راضية، كأنها عثرت أخيراً على مرفئها بعد طوفان طويل. تسير المحبوبة خلفه بكل ثقة، مطفئةً قلق غدها، ميممةً وجهها شطر خطاه؛ لا تلتفت وراءها، ولا تكترث بثقل الأيام أو عتو العواصف. فما دامت يده تشد على يدها، تصبح وعورة الطريق بساتين، ويغدو العبء خفيفاً كأنها تطير. إنها تمضي خلفه مغمضة العينين، ليس عمىً، بل لأن الوضوح كله قد اختصرته قامته، ولأن الأيام بكل شراستها لم تعد قادرة على المساس بقلبٍ استوطن حمى هذا الأمان.
وبعد أن يهدأ شلال العاطفة الجارفة ويستقر الأمان في الضلوع، لا ينكفئ الحب على ذاته، بل يلتفت بكامل حنانه ليتفقد الطرف الآخر؛ يتأمل وجه المحبوب باحثاً عن الندوب التي تركتها الأيام في غيابه. هنا تتجلى رقة نجاة في مناجاة حزينة تنبض بالتعاطف والالتصاق الروحي، وهي تسأل: (جرالك إيه وأنت بعيد.. وحصلك إيه وأنت وحيد؟). إنها لا تسأل عن تفاصيل الغياب، بل تبكي تلك الساعات التي قضاها بمفرده في عراء الوحدة دون أن تكون يده في يدها. هو عتاب مغلف بالخوف عليه، وإدراك عميق بأن الوجع كان مشتركاً، وأن البرد الذي نهش ضلوعها في البعد كان ينهش ضلوعه هو الآخر في منفى وحدته. في هذا السؤال، يمتزج الشجن بالدلال، وتتحول المحبوبة إلى أمٍّ حانية تمسح بغنائها على رأس حبيبها، وكأنها تخبره بصوتها الدافئ أن زمن الوحشة قد انقضى إلى غير رجعة، وأن كل وادٍ سلكه وحيداً قد انتهى به الآن في محراب وعودها.
وفي ختام هذا الموكب الوجداني، لا يسعنا إلا أن نلتفت إلى كل العشاق في دروب هذه الحياة، لنحمل إليهم وصية غُزلت من خيوط هذا اللحن النبيل؛ كونوا لبعضكم “مواكب حب” لا توقفها عثرات الحياة، ولا يفصل بين خطوتيها ضجيج المسؤوليات وجفاف الروتين. ليكن كل محبوب لحبيبه صاحباً ومصاحباً، ممتداً في كل الظروف وفي كل الأوقات؛ إن نالكم الفرح فتقاسموا ضياءه معاً، وإن خيم الحزن فامتدوا كأشجارٍ تظلل أرواحكم معاً. في هذا العالم الصاخب المليء بالمنغصات، لا تتركوا أيدي بعضكم عند أول عاصفة، بل كونوا لبعضكم ملاذاً، وأماناً، و”أطواق نجاة” تعبر بكم جفاف الأيام نحو مرافئ الطمأنينة.

