مقالات كبار الكتاب

أ.د. حسام عبدالغفار يكتب .. الآلة التي تقرأ الخلية.. ولا تقرأ الخوف

كتب أ.د. حسام عبدالغفار

الذكاء الاصطناعي وطب الأورام بين الحساب والحكمة

تدخل غرفة القراءة الإشعاعية فتجد الصورة معلّقة أمام الطبيب، وإلى جانبها تحليل رقمي صامت، يرسم دوائر حمراء حول ظلال قد لا تراها العين المجرّدة.

هذا هو الذكاء الاصطناعي في طب الأورام: ليس كائنًا يقرر، بل عينًا إضافية تهمس للطبيب: انظر هنا جيدًا. غير أن هذه العين، مهما بلغت دقتها، لا ترى الخوف الذي يعتري وجه المريض وهو ينتظر النتيجة.

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الأورام خيالًا مستقبليًا، بل واقعًا يتسلل إلى غرف الباثولوجي والأشعة ولجان علاج الأورام. فالخوارزميات باتت تقرأ الصور النسيجية بدقة تنافس الخبراء، وتحلل آلاف الأبحاث في ثوانٍ، وترشّح المرضى الأنسب للتجارب الإكلينيكية. إنجازات حقيقية توثقها دراسات علمية، لا وعود تسويقية.

لكن الإنصاف يقتضي وقفة عند الحدود بقدر الوقفة عند الإنجاز؛ فدقة أي نموذج مرهونة بجودة بياناته؛ وحين تكون منحازة، يرث النموذج التحيز ويعيد إنتاجه بثوب يوحي بالحياد. وما زالت غالبية هذه الأدوات في طور التحقق قبل أن تتحول إلى ممارسة معممة، وهو ما يستدعي حذرًا علميًا، لا انبهارًا أعمى.

وهنا يكمن جوهر الفكرة؛ فالذكاء الاصطناعي أداة تزيد قدرة الطبيب، لا بديل يلغي مسؤوليته. فكما لا يجعل المشرط صاحبه جراحًا إذا لم يعرف متى يرفعه، لا تجعل الخوارزمية صاحبها طبيبًا إذا كان لا يملك البصيرة التي تعرف متى تثق بها ومتى تتشكك فيها.

والخطر الحقيقي ليس في الأداة، بل في غياب هذه البصيرة؛ سواء عند طبيب يعتمد عليها كليًا، أو مريض يستبدل بها استشارة متخصصة يحتاجها في لحظة مصيرية.

الذكاء الاصطناعي يُحسّن الحساب، ويسرّع التشخيص، وينظّم البيانات، ويوفر للطبيب وقتًا كان يستغرقه في التوثيق. أما الحكمة – التي تعرف كيف تقول الحقيقة برفق، ومتى تمنح الأمل دون خداع – فتبقى ميراثًا إنسانيًا خالصًا، لم تصل إليه آلة.
لذا فالتعامل المسؤول مع هذه التقنية يستوجب أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تحفظ للمريض حقه في القرار الطبي البشري، وللطبيب مكانته كصاحب الكلمة الأخيرة. فالتقدم الحقيقي ليس في استبدال الإنسان بالآلة، بل في تحرير الطبيب ليكون أكثر حضورًا مع من يحتاجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى