أ.د. محمود السعيد يكتب .. البحث العلمي المصري: الواقع والمأمول
بقلم أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
في المقال السابق الذي تناولنا فيه تحليلا لواقع البحث العلمي المصري، وخلصنا إلى أنه بالرغم من تحقيق البحث العلمي المصري إلى إنجازات ملموسة فيما يخص حجم النشر العلمي، إلا أنه ثمة تحديات ما زالت تواجهه وتتمثل في الفجوة الواسعة بين مخرجات البحث العلمي واحتياجات المجتمع.
فمن ناحية، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تطور كبير في مؤشرات البحث العلمي الدولية من خلال زيادة نشر الأبحاث من قبل باحثين مصريين في مجلات عالمية مفهرسة في قواعد البيانات سكوبس وكلاريفت، كما تحسنت معدلات الاستشهادات العلمية بأبحاث المصريين، وتقدمت الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، حتى أصبحت مصر تحتل مراكز متقدمة إقليميًا ودوليًا في مؤشرات النشر العلمي. كما نجحت العديد من الجامعات المصرية في تحقيق حضور عالمي متميز في عدد من التخصصات الدقيقة، وهو ما يؤكد أن منظومة البحث العلمي المصرية تمتلك قدرات علمية وبحثية واعدة.
ولكن من ناحية أخرى، فإن هذه النجاحات بالرغم من أهميتها تظل مجرد مؤشرات كمية لا يمكن أن تعبر وحدها عن القيمة الحقيقية للبحث العلمي، لأن المعيار الأهم من عدد الأبحاث المنشورة ومعدل الاستشهادات بها يتمثل في مدى قدرتها على الإسهام في معالجة المشكلات القومية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
وفي هذا السياق يبرز التساؤل الجوهري الذي يسأله الكثيرون وهو كيف يمكن تحويل المخرجات البحثية إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية مضافة؟ وكيف يمكن تجسير الفجوة بين الأكاديميا من ناحية واحتياجات المجتمع وقطاعات الإنتاج والخدمات من ناحية أخرى؟
الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة، والعمل على تحقيقها يتطلب جهودًا مضنية تتمثل في الانتقال من مرحلة التركيز على إنتاج المعرفة إلى مرحلة توظيفها لخدمة الأهداف المجتمعية، وذلك من خلال تبني سياسات أكثر ارتباطًا باحتياجات الدولة التنموية. ويتطلب تحقيق الأهداف الاعتماد على عدد من الآليات في خطة استراتيجية قومية يتم توفير التمويل اللازم لها.
وفي مقدمة هذه الأليات وضع خطة أولويات بحثية قومية واضحة يتم صياغتها بالتعاون مع الجهات المعنية أصحاب المصلحة وبالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص، بهدف توجيه الجهود البحثية نحو القضايا القومية الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا، على أن يكون هناك مجموعة من مؤشرات الأداء وآليات المتابعة لقياس النتائج والعائد التنموي. وفي هذا الإطار يجب مشاركة كل قطاعات الاقتصاد في صياغة الخطة البحثية لضمان ارتباط الأبحاث بالتحديات الفعلية التي تواجه الصناعة والزراعة والإنتاج والطاقة والصحة وغيرهم من القطاعات، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ والاستثمار.
أما الآلية الثانية فتتمثل في إنشاء وتفعيل حاضنات الأعمال والحاضنات التكنولوجية ومكاتب نقل التكنولوجيا بالجامعات باعتبارهم أهم الأدوات القادرة على الربط بين مخرجات الأبحاث والتجارب المعملية من ناحية والأسواق من ناحية أخرى، وكذلك تحويل الابتكارات والأفكار البحثية إلى منتجات وخدمات وشركات ناشئة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
والآلية الثالثة تتمثل في التوسع في دعم الشركات الجامعية التي أتاحها قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم 23 لسنة 2018، باعتبارها أهم آلية حديثة لتحويل المخرجات البحثية إلى مشروعات اقتصادية ذات قيمة مضافة. هذه الشركات تستطيع أن تلعب دورًا هامًا في تسويق المخرجات البحثية لمنسوبيها من الباحثين والعلماء الذين لا يستطيعون الوصول إلى الصناعة وقطاعات الاقتصاد الأخرى بأنفسهم، ويحتاجون إلى كيان مؤسسي يسهل لهم التواصل الفعال لتسويق أفكارهم الابتكارية.
أما الآلية الرابعة فتتمثل في تطوير منظومة الحوافز الأكاديمية والترقيات والتي تحتاج إلى تحقيق التوازن بين التميز البحثي والجدوى التطبيقية، بحيث يتم تشجيع المتقدمين للترقيات من أعضاء هيئات التدريس على تنفيذ المشروعات التطبيقية التي تقدم حلولًا واقعية للتحديات الوطنية. فلم يعد من المقبول أن تكون الوسيلة الوحيدة لتقييم عضو هيئة التدريس المتقدم للترقية هو عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية، بل من المناسب أن تتضمن معايير التقييم إعطاء وزنًا أكبر للأبحاث التي تحقق أثرًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا واضحًا، أو تسهم في حل مشكلة قومية أو تطوير قطاع إنتاجي أو خدمي. هذا لا يعني مطلقًا الإخلال بأهمية النشر الدولي ومعايير الجودة الأكاديمية، بل يعني تحقيق التوازن بين متطلبات النشر العلمي وتلبية احتياجات المجتمع، فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد قائم على المعرفة لم تكتف بإنتاج الأبحاث، وإنما نجحت في تحويلها إلى براءات اختراع وابتكارات وشركات ومنتجات وفرص عمل.
ختامًا نؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تعظيم العائد التنموي للبحث العلمي دعمًا وتعزيزًا لاقتصاد المعرفة، وتجسير الفجوة بين الجامعات والصناعة، والعمل على زيادة الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار، حتى يصبح البحث العلمي أحد المحركات الرئيسية للتنمية الشاملة وأحد أهم أدوات بناء الجمهورية الجديدة.





