مقالات كبار الكتاب

أ.د. محمود السعيد يكتب .. تطوير الدراسات العليا لتعزيز جودة البحث العلمي

كتب أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

تناولنا في المقالين السابقين واقع البحث العلمي المصري خلال السنوات الماضية، وأكدنا أن المؤشرات الكمية التي تظهرها التصنيفات الدولية الأخيرة تعكس تطورًا كبيرًا مقارنة بما كانت عليه في 2014. فقد ارتفع عدد الأبحاث المصرية المنشورة في الدوريات الدولية من الفئة الأولى Q1 بصورة غير مسبوقة، وتحسن معامل التأثير العلمي للأبحاث المصرية H-index، كما أصبحت مصر الدولة الأولى إفريقيًا في عدد الأبحاث المنشورة دوليًا، وهو إنجاز يعكس حجم اهتمام الدولة المصرية خلال العقد الماضي بتطوير الجامعات، ودعم الباحثين، وتوسيع برامج التمويل والتعاون الدولي.

وبالرغم من أن هذه المؤشرات تعكس حضور الجامعات المصرية بصورة مميزة على خريطة البحث العلمي العالمية، إلا أن السؤال الأكثر أهمية من هذا الحضور المميز يتعلق بمدى تأثير هذه الأبحاث في تحسين جودة حياة المواطنين وتلبية احتياجات المجتمع وحل المشكلات القومية ذات الأولوية. فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي في عالمنا المعاصر تقاس بقدرته على تقديم حلول عملية للتحديات الوطنية، وتحويل المخرجات البحثية إلى ابتكارات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، وتساهم في تطوير الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والطاقة والبيئة وغيرها من القطاعات الحيوية.

وقد أشرنا في المقال السابق إلى عدد من الآليات لسد هذه الفجوة المؤرقة، ومنها إعداد خطة أولويات بحثية على المستوى القومي تشارك في صياغتها جميع الجهات المعنية، مع تطبيق صارم لآليات متابعة وتقييم دقيقة لقياس مدى التزام الجامعات والمراكز البحثية بهذه الأولويات. كما أشرنا إلى أهمية التوسع في إنشاء حاضنات أعمال وتكنولوجية ومراكز الابتكار داخل الجامعات، ودعم إنشاء شركات جامعية بغرض تسويق المخرجات البحثية بما يعزز العلاقة بين الجامعات وقطاعات الإنتاج المختلفة.

وقبل كل ذلك تأتي مسألة تطوير منظومة الدراسات العليا على رأس آليات سد الفجوة المشار إليها، فهي أهم الآليات لإحداث نقلة نوعية في البحث العلمي المصري. فالغرض من الدراسات العليا ليس فقط حصول الدارس على الدرجة العلمية، ولكن الغرض الأهم هو إنتاج باحثين وعلماء ومبتكرين قادرين على إحداث التأثير المجتمعي وتلبية احتياجات الوطن، فإذا أردنا تطوير البحث العلمي بصورة حقيقية، فلا بد أن نبدأ بمنظومة الدراسات العليا أولًا.

إن التطورات المتسارعة في عالم اليوم نتيجة الثورة الصناعية الرابعة، ثم الثورة الصناعية الخامسة، وتطور المعرفة الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة، والتغير الجوهري في طبيعة الوظائف، تفرض علينا كمجتمع أكاديمي التركيز بصورة متزايدة على الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في أداء المهام التعليمية والبحثية ومحتوى برامج الدراسات العليا. ولذلك فإنه لم يعد من المقبول أن تستمر محتويات هذه البرامج بنفس الصورة التقليدية التي كانت عليها منذ عشرين أو ثلاثين عامًا، فمسألة إعداد باحث قادر على المنافسة عالميًا، يمتلك المهارات العلمية والتكنولوجية والرقمية التي تؤهله للإسهام في بناء اقتصاد المعرفة تتطلب منا جميعا وضع خطط للتطوير مع تحديد مجموعة من الأولويات لإحداث نقلة نوعية في منظومة الدراسات العليا.

وفي مقدمة هذه الأولويات هو ضرورة التحول من التعليم القائم على الحفظ والاسترجاع للمعلومات إلى التعلم القائم على البحث والتفكير النقدي وحل المشكلات، ففي عصر المعلومات والتكنولوجيا المتطورة أصبحت مهارات الباحث الحقيقي هي القدرة على تحليل الظواهر، واستخراج العلاقات بين المتغيرات، وتقديم حلول مبتكرة للمشكلات الواقعية، وليس القدرة على استرجاع معلومات متاحة في المراجع. ولذلك يجب أن تتطور أساليب التدريس والتقييم في برامج الدراسات العليا، لتركز بصورة أكبر على تنمية هذه المهارات، بدلاً من الدروس والامتحانات التقليدية التي في أغلبها تنمي وتقيس القدرة على استرجاع المعلومات فقط.

وهناك عدد من الآليات الأخرى الهامة التي سنتناولها في المقال القادم والتي يجب أخذها في الاعتبار إذا كنا نريد إعداد باحث قادر على المنافسة عالميًا، يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المطلوبة في عصرنا الحديث، من أهمها التفكير النقدي، وأدوات التحليل الإحصائي وتحليل البيانات، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إجراء البحث العلمي بإنتاجية أعلى، والكتابة العلمية باللغات العربية والإنجليزية، والقدرة على العرض الفعال والتواصل العلمي، وقبل كل ذلك الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي والنزاهة الأكاديمية.

إن تطوير منظومة الدراسات العليا يعتبر من الناحية الاقتصادية هو استثمار طويل الأجل في مستقبل هذا الوطن، وهو الطريق الأسرع لبناء قاعدة علمية مصرية قوية، وهو السبيل إلى تعزيز اقتصاد المعرفة، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، وتحقيق رؤية مصر 2030. وإذا نجحنا في تطوير منظومة الدراسات العليا فإن ذلك سينعكس بالإيجاب على الباحثين المصريين ويضع الأساس الحقيقي لنهضة علمية مستدامة، تجعل البحث العلمي المصري قوة دافعة للتنمية، وتحوّل الجامعات المصرية من مؤسسات لنقل المعرفة إلى مؤسسات لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى