كتب: جودة عبد الصادق إبراهيم
يظل قصر العيني أحد أبرز الصروح العلمية والطبية في تاريخ مصر والمنطقة العربية، ورمزًا خالدًا لقوة مصر الناعمة التي أسهمت في صناعة النهضة العلمية والطبية على مدار ما يقرب من مائتي عام. ولم يكن هذا الدور وليد الصدفة، بل وثقته شهادات دولية منصفة، يأتي في مقدمتها التقرير التاريخي الذي رفعه الأستاذ الفرنسي ساشو إلى وزير المعارف الفرنسي عام 1868، والذي رصد بدقة ما حققته مدرسة الطب بقصر العيني من طفرة غير مسبوقة في عهد الخديوي إسماعيل، بقيادة الدكتور محمد علي باشا البقلي، ثاني رئيس وطني للمدرسة خلال الفترة من 1863 إلى 1879.
وأشار التقرير إلى أن إدارة المدرسة اتسمت برؤية وطنية طموحة، هدفت إلى تطوير التعليم الطبي وفق أحدث النظم العلمية المستوحاة من المدرسة الفرنسية، مع الحفاظ على الهوية المصرية. وقد ضمت المدرسة آنذاك نحو مائة طالب من نخبة خريجي المدارس، كانوا يتلقون تعليمهم وإقامتهم وملابسهم ورعايتهم الكاملة على نفقة الدولة، إضافة إلى حصولهم على مرتبات شهرية، في نموذج اعتبره التقرير استثمارًا وطنيًا ناجحًا أثمرت نتائجه في خدمة المجتمع والدولة.
وأشاد التقرير بالنظام التعليمي المتطور الذي اعتمد اللغة العربية لغةً للدراسة، وقسم المناهج إلى ست سنوات دراسية تتخللها امتحانات سنوية علنية بحضور العلماء وكبار الأطباء، بما يضمن أعلى معايير النزاهة والجودة. كما طبق قصر العيني نظامًا تربويًا متقدمًا، حيث كان الطلاب المتفوقون يتولون شرح الدروس لزملائهم ومراجعتها بصورة دورية، لترسيخ ثقافة التفوق والتعاون العلمي.
ولم تتوقف مسيرة التطوير عند حدود التعليم، بل امتدت إلى إيفاد أوائل الخريجين في بعثات علمية إلى أوروبا لاستكمال دراساتهم والعودة أعضاءً بهيئة التدريس، بالتوازي مع حركة نشطة لتعريب أحدث المراجع الطبية الأوروبية، وإصدار مجلة علمية متخصصة حملت اسم “لا بيل ميديكال” لنقل أحدث الاكتشافات الطبية إلى مصر، وهو ما جعل قصر العيني مواكبًا لأرقى المدارس الطبية العالمية في ذلك الوقت.
وأكد التقرير أن سر نجاح قصر العيني كان الاعتماد على الكفاءات المصرية، حيث تولى إدارة المدرسة عشرون أستاذًا مصريًا تلقوا تعليمهم في أوروبا، ولم يكن بينهم سوى أستاذ أجنبي واحد هو الدكتور جاستينل أستاذ الطبيعة والكيمياء. وتقدم هذه الكوكبة الدكتور محمد علي بك البقلي رئيس المدرسة وأستاذ الجراحة، إلى جانب نخبة من كبار العلماء، من بينهم سالم بك، وحسين بك عوف، وحسن هاشم، ومحمود أفندي، وإبراهيم أفندي حسن، ومحمد بدر، وعبد الرحمن الهواري، وأحمد حمدي، ومحمد فوزي، وحسن أفندي، وأحمد ندى، وبدوي أفندي، وصالح أفندي علي، كما شهدت المدرسة حضورًا رائدًا للمرأة المصرية من خلال الحكيمة زينب أفندي تمرهان، إحدى أوائل الطبيبات المتخصصات في أمراض النساء.
