“يعسوب الطب”.. الريادة التنويرية لقصر العيني في تأسيس الصحافة الطبية العربية
قصر العيني: قصة 200 عام.. قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم
كتب جودة عبد الصادق إبراهيم
تواصل هذه السلسلة التاريخية توثيق المحطات المضيئة في مسيرة قصر العيني، المؤسسة التي لم تقتصر رسالتها على تخريج الأطباء وتقديم الرعاية الصحية، بل اضطلعت بدور حضاري رائد في صناعة المعرفة ونشرها، وأسهمت في ترسيخ مكانة مصر مركزًا للإشعاع العلمي والثقافي في العالم العربي. ومن أبرز تجليات هذه الريادة تأسيس أول صحيفة طبية علمية متخصصة باللغة العربية، ممثلة في جريدة ومجلة “يعسوب الطب”، التي صدر عددها الأول عام 1865م (1282هـ)، لتصبح أول دورية طبية علمية متخصصة في العالم العربي والإسلامي، معلنةً بداية مرحلة جديدة من توطين العلوم الطبية باللغة العربية في عهد الخديوي إسماعيل.
وتحفظ مقتنيات متحف تاريخ طب قصر العيني هذه الصفحات النادرة التي توثق واحدة من أهم المبادرات العلمية في تاريخ الطب العربي، وتكشف عن الجهد الذي بذله علماء قصر العيني لإثبات قدرة اللغة العربية على استيعاب أحدث المعارف الطبية والمصطلحات العلمية الدقيقة، وترسيخها كلغة للبحث والتعليم والممارسة الطبية.
وقد أسس هذه الدورية ورأس تحريرها الحكيم محمد علي باشا البقلي، رئيس مدرسة طب قصر العيني آنذاك، بالتعاون مع الحكيم النطاسي إبراهيم حلمي، انطلاقًا من رؤية وطنية وعلمية هدفت إلى نقل أحدث ما وصل إليه الطب العالمي إلى الأطباء والطلاب باللغة العربية، وبناء جسر معرفي يربط بين المدرسة الطبية المصرية والحركة العلمية الدولية. وتشير الترويسة الأصلية للأعداد الأولى إلى أنها كانت تُطبع في “المطبعة الطبية بوادي النيل” خلال شهر ربيع الآخر سنة 1282هـ، في دلالة واضحة على التنظيم المؤسسي الذي صاحب هذا المشروع العلمي الرائد.
وتكشف الأعداد المحفوظة بالمتحف، ومنها العدد التاسع والعشرون الذي لا يزال يحمل بياناته الإدارية الأصلية وعبارة “برسم 648” والختم التاريخي لكلية الطب بقصر العيني، عن مستوى علمي ولغوي بالغ الدقة. فقد ضمت صفحاته موضوعات إكلينيكية وصيدلانية متقدمة تناولت تركيب الأدوية وعلاج الأمراض الشائعة، ومنها مقالات حول الأدوية المستخدمة لعلاج السعال، مع تحديد الجرعات وفق المقاييس المتداولة آنذاك كالدرهم والأوقية، وذكر مكونات علاجية مثل شراب الخشخاش، ورب السوس، والصمغ العربي. كما تضمنت أبحاثًا سريرية تناولت النزلات الصدرية وأسبابها وأعراضها ووسائل الوقاية منها، اعتمادًا على الملاحظة الإكلينيكية والخبرة الطبية المباشرة.
ولم تكن “يعسوب الطب” مجرد مجلة علمية، بل كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا لنقل المعرفة الطبية، وتعريب العلوم، وترسيخ ثقافة البحث العلمي، وبناء مجتمع طبي قادر على مواكبة التطورات العالمية بلغته الوطنية. واستمرت المجلة في أداء رسالتها العلمية لمدة أحد عشر عامًا حتى توقف إصدارها عام 1876م، بعد أن أرست تقاليد النشر الطبي العلمي في المنطقة، وأسهمت في تشكيل الوعي الطبي العربي الحديث.
واليوم، وبعد مرور ما يقرب من قرنين على تأسيس قصر العيني، تبقى صفحات “يعسوب الطب” المحفوظة في متحف تاريخ طب قصر العيني شاهدًا حيًا على عمق المشروع العلمي المصري، ودليلًا على أن هذه المؤسسة العريقة لم تكن مجرد مدرسة للطب، بل كانت منارة للتنوير، وحاضنة للمعرفة، ومنطلقًا لريادة عربية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء المنطقة.
ومع اقتراب قصر العيني من الاحتفال بمرور مائتي عام على تأسيسه، تتجدد قراءة هذا الإرث بوصفه جزءًا أصيلًا من قوة مصر الناعمة، وشاهدًا على الدور الحضاري الذي اضطلعت به المؤسسة في بناء الطب الحديث، وصناعة المعرفة، وترسيخ مكانة مصر مركزًا للعلم والابتكار والإشعاع الثقافي في الشرق الأوسط والعالم العربي.







