في زوايا الغرف المظلمة، أو خلف الشاشات المغلقة، يجلس أشخاص يملكون من الذكاء، والإبداع، والإمكانيات ما يمكنه تغيير مجرى الأمور في مجالاتهم. عقولهم تشع بالأفكار الملهمة، لكن بمجرد أن تلوح في الأفق فرصة لعرض هذه المواهب أمام العلن، يصابون بنوع غريب من الحساسية النفسية.. حساسية نطلق عليها اليوم **”ارتيكاريا النور”**.
المشهد الأول: الصف الأخير.. والتراجع الاختياري
في فصل دراسي يملؤه ضجيج التلاميذ، يجلس طفل في المقعد الأخير. ملامحه هادئة، لكن عقله يغلي بالذكاء. يطرح المعلم سؤالاً صعباً، يتلفت الطلاب بحيرة، بينما تقفز الإجابة النموذجية والعبقرية في عقل هذا الصغير ناصعة كالبرق. يشعر بنشوة عارمة، ويسري الحماس في جسده، ليرفع يده تدريجياً وهو يتخيل لحظة التميز والثناء.
ولكن، قبل أن تصل يده إلى الأفق، تباغته “ارتيكاريا النور”. يهاجمه الخوف القديم المتجذر: *”ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو سخروا مني؟ ماذا لو انتقدني المعلم أمام الجميع؟”* تسارعت دقات قلبه، وشعر بضيق في أنفاسه، وفي أجزاء من الثانية، اتخذ قراره الصامت؛ سحب يده ببطء، وانكمش في مقعده، مفضلاً البقاء في عتمة الصف الأخير، تاركاً الضوء لغيره، ليقنع نفسه بأن الظل أكثر أماناً.
المشهد الثاني: خلف الطاولة المستديرة
تمر السنوات، وتتسع المساحات. بطلنا كبر الآن وأصبح شاباً يجلس خلف طاولة اجتماعات مستديرة في كبرى الشركات، تحيط بها قامات مهنية مختلفة وخبرات متنوعة.
يطرح المدير مشكلة معقدة عجزت الأقسام عن إيجاد مخرج لها، فيخيم الصمت الثقيل على القاعة. وفي هذه اللحظة بالذات، تشتعل شرارة النبوغ القديمة في عقله؛ التقط الخلل فوراً، وتتدفق الحلول الذكية والإستراتيجية في ذهنه ناصعة كالشمس. شعر بنشوة عارمة وبإعجاب شديد بالفكرة التي تملك القدرة على تغيير مجرى المشروع بأكمله وتثبيت أقدامه كقائد مستقبلي. تسرعت دقات قلبه وهو يتهيأ لطلب الكلمة..
ولكن، في اللحظة التي أوشك فيها أن يرفع صوته ليلامس الضوء، هاجمه الخوف القديم بفيروسه المتجدد: *”ماذا لو انتقدوا فكرتي؟ ماذا لو نظروا إليّ باستخفاف؟”*. وفي أجزاء من الثانية، ابتلع كلماته العبقرية، وهبط من سماء تحليقه ليصاب بإحباط مرير وسكوت تام. انكمش على نفسه مجدداً وسلّم الدفة لصمته المعتاد، ليتابع شخصاً آخر يطرح فكرة عادية جداً ويحظى بثناء وتصفيق الجميع، بينما اختار بطلنا بملء إرادته وبسبب خوفه أن يظل تابعاً لا قائداً، رغم أنه أكثر الجالسين استحقاقاً لمركز القيادة.
المواجهه الاولى: الداء والدواء.. حين يكون الظل مقبرة
هذه الحالة ليست مجرد خجل عابر، بل هي متلازمة نفسية غير مرئية نطلق عليها *”ارتيكاريا النور”*. ولكي تخرج من هذه الدائرة الخانقة التي تقتلك وتغتال إبداعك يوماً بعد يوم، عليك أن تجمع شجاعتك لمواجهة النور؛ فإما أن تزيد من وهجه بنورك الخاص وتفرض حضورك، وإما أن يحرقك هذا النور في محاولة شريفة.. لكنك على الأقل لن تبقى في منطقة الظل الباردة، ولن تظل أسيراً أبدياً للخوف من الانتقاد.
إن التميز يتطلب دائماً المغامرة. قد تكون في غاية النبوغ، لكن خوفك هو الجدار الوحيد الذي يحجبك عن العالم. لذلك، حطم هذا الجدار وردد دائماً بوعي ويقين: *”أنا أستحق المحاولة، وأستحق التعبير عن نفسي.. قد أواجه انتقاداً وليس في الانتقاد عيب، وقد ألقى ثناءً ومديحاً وأنا بكل تأكيد أستحقه”*.
المواجهه الثانيه : مفهوم النور…
تذكر جيداً أن البقاء في منطقة كبح الإمكانيات عذاب صامت يحطم روحك يوماً بعد يوم دون أن تشعر، يحولك طوعاً إلى فرد باهت يسير بآلية مع القطيع، بينما تملك في عقلك وقلبِك ما يمكنه تغيير مجرى الأحداث بأكملها! حان الوقت لتمسك لجام خوفك، وتقاتل بشراسة من أجل إبداعك ومكانك المستحق.. فكيف تخشى النور، وأنت النور بكل صفاته؟!
المشهد الأخير: وداعاً ارتيكاريا النور (طوق النجاة)
في سكون غرفته، وبعيداً عن صخب العالم وقاعات الاجتماعات، يجلس بطلنا منفرداً مع نفسه. تتجه عيناه نحو الأفق، ويمر شريط العمر أمام عينيه، ليتوقف عند ذات الكلمات التي سكنت روحه منذ الطفولة.
هذه المرة، لم يصمت. أخذ نفساً، ونطق بالبيت بصوت مسموع رخيم، يشرح لنفسه الأبعاد المجازية التي كتمها طويلاً: **”إذا نزلَ الحَجَّاجُ أرضاً مريضةً… تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا”**. ردد الكلمات وفك شفرتها العميقة؛ أدرك أن عقل الإنسان هو الأرض التي قد تمرض بالخوف والتردد، وأن الشفاء لا يكون إلا بالحسم والمواجهة. ومع خروج الشرح من حيز الصمت إلى النور، باغت هذا الصوت دقات قلبه المتسارعة.. لتهدأ فجأة، وتنتظم في إيقاع سلام داخلي لم يعهده من قبل. لقد تتبع أقصى داء في أعماقه، وشافاه.
في صباح الغد، استيقظ بطلنا بشمس جديدة تشرق داخل صدره. انطلق إلى عمله بخطوات واثقة، متخذاً قراره المصيري: لا تراجع بعد اليوم، حان وقت مواجهة النور، والدخول فيه، والذوبان معه؛ لينتج من وهجه ويغزل للعالم خيوطاً من إبداعه الخاص. وعند عتبة الشركة، توقف لأول مرة، وتَنفّس بعمق شديد، مستشعراً لذة الهواء النقي وهي تملأ رئتيه الحرّتين.
هكذا، تنكسر القيود، وينقشع الظل، ليعلن بطلنا التحرر الكامل والشفاء التام من تلك الحساسية الوهمية.. فوداعاً “ارتيكاريا النور”، وأهلاً بالضياء الذي يستحقه.

