د. رحاب عبد المنعم تكتب .. المونديال..عندما تمتزج الكرة بالدبلوماسية
كتبت د. رحاب عبد المنعم
بعيدًا عن الأجواء الكروية الصاخبة التي يثيرها مونديال كرة القدم 2026م؛ ودعواتنا الطيبة باستمرار الإنجاز المصري الذي تحقق بالفعل، بعد الصعود لدور الـ16؛ في سابقة هي الأولى في تاريخ الكرة المصرية، إلا أن الوجه الآخر للمونديال يكمن في كونه حدثًا عالميًا؛ يرسم ملامح القوة، والهيمنة، والمكانة الاجتماعية والدولية لمنظميه، ومن ثم تتسابق العديد من الدول، وتغدق أموالها الباهظة؛ في أعمال التطوير، والتجديد الحضاري، لنيل شرف تنظيم هذه البطولة الكبرى.
لقد كان لمصر تجربة سابقة في التقدم لنيل شرف تنظيم مونديال 2010م، لكنها لم تلق النجاح المرجو، لتذهب البطولة لجنوب أفريقيا؛ حيث نجح هذا المونديال في تحقيق نحو( 550 مليون دولار) ضرائب إضافية ساهمت في زيادة قدرها (2%) علي الاقتصاد القومي للدولة ، وتوفير نحو ( 129 ألف فرصة عمل) من بينها (77400 فرصة) عمل دائمة، كما بلغ إجمالي إيرادات البطولة نحو( 2.3بليون دولار) مقابل تكلفة إجمالية بلغت نحو(1.7 بليون دولار).
وعلى الصعيد المجتمعي للبطولات الرياضية؛ فإنها تسهم بلا شك في زيادة فرص التشغيل والقضاء على البطالة، وتقديم فرص متميزة؛ للتعليم، والتدريب، والتوظيف للمواطنين؛ سواء نظير مقابل مادي أو بشكل تطوّعي من قبل الشباب الجامعي؛ بهدف صقل مهاراتهم العملية، وغرس معاني الوطنية والانتماء، وحب العمل الخيري والتطوعي لديهم، ودعم الفقراء، فعلي سبيل المثال كانت( أوليمبياد أتلانتا 1996) حافزًا لإحياء مبادرات إسكان ذوي الدخول المنخفضة؛ بالقرب من القرية الأوليمبية.
لم ولن تجد أي دولة فرصة ذهبية للترويج لشعار “الرياضة للجميع” أفضل من بطولاتها الرياضية الكبرى، التي تستقطب اهتمام فئات جماهيرية متعددة، وتحقق نداءً عالميًا Global appeal واسع الاتصال يخلق نوعًا من الارتباط العاطفي بين الجماهير من متابعي وغير متابعي كرة القدم؛ على اختلاف لغاتهم، وجنسياتهم، وأديانهم، وأعراقهم، وبين فعاليات الحدث؛ ما يخلق اهتمامًا عالميًا نحو الدولة المستضيفة؛ كجزء بارز ببيئة السياسة الدولية، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الدول؛ كقوة دبلوماسية ناعمة؛ يمكن توظيفها في إدارة العلاقات علي المستويين الإقليمي والعالمي، وهو ما ظهر في الإستراتيجية الدبلوماسية لدولة قطر؛ في تقدمها بملف تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2020م؛ لتحسين علاقاتها السياسية بالدول، وتعزيز صورتها الذهنية، والتأكيد علي قوة نظامها السياسي، واستقطاب الاعتراف الدولي والعالمي به.
كما نجحت قطر في توظيف مونديالها الكروي ومن بعدها أمريكا في الحد من آثار الأزمات التي تتعرض لها، ومواصلة حملات الدعاية السياسية المصاحبة للفعاليات المونديالية؛ بالاستفادة من القوي العاطفية لجمهور البطولة، التي تعد بمثابة قوة مهيمنة في المجتمع وأداة لصنع الصورة، وتمرير الرسائل السياسية والدعائية التي تستهدفها الدولة؛ بغرض إخفاء أو تسليط الضوء علي حقائق ومشاهد سياسية معينة،من خلال التلاعب أو السيطرة علي التغطية الإعلامية المصاحبة للحدث، وكذلك الترويج السياحي للدولة المستضيفة للفعاليات العالمية الكبري؛ بما تمتلكه من مقومات ومعالم سياحية؛ بالاستفادة من حجم الحدث والاهتمام العالمي بموضوعه، كما في دورة الألعاب الأوليمبية بـ “بكين” التي شاهدها نحو( 4.7 مليار مشاهد) عبر التليفزيون؛ بما يوازي (70%) من سكان العالم، أو بالاستفادة من الشخصيات العالمية المروجة للفعاليات، كما حدث في زيارة نجم الكرة العالمي (ليونيل ميسي) لمصر.
سيظل المونديال فرصة ذهبية؛ تتنافس عليها جميع الدول، لكنها لعبة سياسية وإستراتيجية متكاملة الأركان، ويبقى حلمنا أن نحصد هذه الفرصة، متى أدركنا المهارات اللازمة لإجادة اللعبة، وممارستها باحترافية تامة؛ حينئذ سيصبح المونديال حضاريًا بامتياز، لأنه نابع من قلب الحضارة العريقة، سندرك وقتها أن الكرة- وإن كانت صناعة عالمية ضخمة- إلا أنها تخفي بين طياتها العديد والعديد من الرسائل الدبلوماسية، والقفزات الاقتصادية الهائلة.







