د حسام عبدالغفار يكتب .. حين يصبح الرقمُ وعدًا
بقلم د حسام عبدالغفار
لأول مرة منذ سنوات طويلة، يهبط عدد المواليد في مصر إلى ما دون المليونين سنويًا. خبرٌ قد يمرّ على البعض كرقمٍ بارد في نشرة إحصائية، لكنه في حقيقته لحظةٌ فارقة في مسيرة وطنٍ تعلّم أن يقيس نجاحه لا بكثرة الأعداد، بل بجودة الحياة.
كثيرًا ما اختُزلت القضية السكانية في معركةٍ ضد الإنجاب. وهذا فهمٌ قاصر. فالقضية ليست خصومة مع الحياة، وإنما انحياز لها؛ انحيازٌ لأن يولد كل طفلٍ في كنف أسرةٍ قادرة على أن تمنحه تعليمًا يليق، ورعايةً تصونه، وفرصة تُنصفه. التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأفواه، بل بعدد الفرص.
تروي الأرقام شيئًا من ذلك: معدل الإنجاب الكلي تراجع إلى 2.34 طفل لكل سيدة بعد أن كان 2.54، وانحسرت “المناطق الحمراء” — تلك التي تتكاثف فيها هشاشة التعليم والزواج المبكر وضعف مؤشرات التنمية — من 74 منطقة إلى عشرين فقط، بينما ارتفع عدد المحافظات الخالية منها إلى ثلاث عشرة محافظة. غير أن أبلغ ما في هذه الأرقام أنها لم تأتِ مصادفة، بل ثمرة عملٍ يستند إلى البيانات، يوجّه الموارد حيث تشتدّ الحاجة، ويربط بين تمكين المرأة وتعليمها وبين توازن الأسرة.
لكنّ الإنجاز ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فحين يخفّ ضغط الأعداد، يصبح كل سرير مستشفى، وكل فصلٍ دراسي، وكل وحدة سكنية، أعمق أثرًا وأصدق عائدًا على الإنسان.
تبقى الرسالة الأهم: أن نحافظ على ما تحقق كما نحافظ على وعدٍ قطعناه للأجيال القادمة. فالسياسة السكانية الناجحة، في جوهرها الإنساني، ليست أن نُنقص من المواليد، بل أن نكثر من الكرامة التي تستقبلهم.




