أ.د. محمود السعيد يكتب .. مصر والصين.. سبعون عامًا من الشراكة والعلاقات الدبلوماسية
بقلم أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
تحتفل جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية هذا العام بمرور سبعين عامًا على بدء إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي مناسبة هامة ولها دلالات تاريخية وسياسية بالغة. كما أنها مناسبة تعكس عمق الروابط التاريخية التي جمعت بين الدولتين، واللذان يعتبران من أقدم وأعرق الحضارات في العالم. وتذكر الصين دائما أن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية وشرق أوسطية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية معها عام 1956، بل كانت مصر من أوائل دول العالم التي اتخذت هذه الخطوة في مرحلة دولية كانت بالغة الحرج بالنسبة للصين، وكانت تتسم بالتعقيد والاستقطاب السياسي. وأهمية القرار المصري وقتها هي أنه مثل خطوة استراتيجية بعيدة المدى، فقد أسهم في فتح الباب أمام العديد من الدول الأخرى للاعتراف بالصين وإقامة علاقات دبلوماسية معها، وهو الموقف التاريخي الذي ما زالت تنظر إليه الصين بكل التقدير والاحترام، باعتباره كان أهم دعم لجمهورية الصين في أدق مرحلة من تاريخها الحديث.
والعلاقات المصرية الصينية لا تقتصر بأي حال على العقود السبعة الأخيرة التي شهدت العلاقات الدبلوماسية الرسمية، بل تمتد هذه العلاقات بجذورها إلى الماضي السحيق الذي شهد العديد من مظاهر التواصل الحضاري والثقافي والتجاري. كما أن البلدين يمثلان نموذجًا للحضارات الإنسانية العريقة التي تركت بصماتها الواضحة في تاريخ البشرية، وكانتا مهد العلوم والفنون والزراعة والصناعة والابتكار، وكان لهما الدور الأهم في تطور علوم الطب والهندسة. وقد ارتبطت مصر والصين اقتصاديًا وثقافيًا عبر طرق التجارة القديمة، وعلى رأسها طريق الحرير التاريخي الذي كان أحد أهم مسارات التبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب، وهو ما سعت الصين إلى إحيائه في العصر الحديث من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تعد مصر أحد أهم شركائها الإقليميين فيها.
وخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات المصرية الصينية تطورًا ملحوظًا في مختلف المجالات بسبب إيمان القيادة السياسية المصرية بأهمية توسيع الشراكة المصرية مع دول العالم في الغرب والشرق، وأصبحت العلاقات المصرية الصينية نموذجًا للعلاقات المتوازنة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقد انعكس ذلك في حجم التنسيق والتشاور المستمر بين قيادتي البلدين بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. كما برزت مواقف داعمة ومتبادلة بين الجانبين في العديد من الملفات المهمة. فقد أيدت الصين انضمام مصر إلى تجمع البريكس، إدراكًا منها لأهمية الدور المصري ومكانته الإقليمية والدولية. كذلك حافظت مصر والصين على مستوى عالٍ من التنسيق في العديد من القضايا الدولية، وفي مقدمتها دعم شعب غزة ورفض مخططات التهجير القسري لأهلها، وكذلك توافق موقف الدولتين من الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران.
وعلى المستوى الاقتصادي، تعتبر الصين في الوقت الحالي أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر من حيث الحجم والتنوع، فتشمل مجالات التعاون بين البلدين الصناعة والطاقة المتجددة والبنية التحتية والنقل والتكنولوجيا والزراعة والاتصالات وغيرها من القطاعات الحيوية. كما أسهمت الاستثمارات الصينية في دعم العديد من المشروعات التنموية الكبرى داخل مصر، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
أما على الصعيد الثقافي والتعليمي، فقد شهدت العلاقات المصرية الصينية نموًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة. وترتبط الجامعات المصرية والصينية بعشرات الاتفاقيات الخاصة بالتعاون الأكاديمي والعلمي، والتي تشمل البرامج الدراسية المشتركة، وتبادل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، والمشروعات البحثية المشتركة، ومشروعات تطوير القدرات العلمية والبحثية. وتعد جامعة القاهرة نموذجًا بارزًا لهذا التعاون، حيث ترتبط بأكثر من ثلاثين اتفاقية تعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية صينية في مجالات متنوعة. كما لعبت برامج تعليم اللغة والثقافة دورًا مهمًا في تعزيز التفاهم بين الشعبين، سواء من خلال انتشار مراكز تعليم اللغة الصينية في مصر، وعلى رأسها معهد كونفوشيوس، أو من خلال برامج تعليم اللغة العربية والدراسات العربية في الجامعات الصينية، وهو ما ساهم في تعزيز التواصل الثقافي والمعرفي بين شعبي البلدين.
لقد نجحت السياسة المصرية التي انتهجتها الدولة خلال السنوات الأخيرة نجاحًا مبهرًا، والتي تقوم على أساس تنويع الشراكات الدولية وتعزيز العلاقات مع مختلف القوى العالمية الكبرى. وقد أثبتت هذه السياسة نجاحها وفاعليتها في نموذج التعاون مع الصين، وهي من أبرز الدول التي حرصت مصر على توطيد علاقاتها معها في إطار رؤية متوازنة تقوم على تحقيق المصالح الوطنية وتعزيز فرص التنمية والاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية الناجحة.
وبمناسبة مرور سبعين عامًا على بدء العلاقات الدبلوماسية، نؤكد على أن الشراكة المصرية الصينية قد أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر قوة ونضجًا عن ذي قبل، وتقوم على أسس متينة من الاحترام المتبادل والتعاون المثمر والمصالح المشتركة. وأعتقد أن السنوات القادمة سوف تشهد مزيدًا من التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، بما يسهم في تحقيق التنمية والازدهار لكلا البلدين.





