مقالات كبار الكتاب

أ.د. محمود السعيد يكتب .. المحتوى الرقمي: نشر الخرافة وتهميش العلم

بقلم أ. د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

في عصر المعرفة والتكنولوجيا وسهولة التواصل برزت ظاهرة سلبية، وهي المحتوى الرقمي الذي يبثه بعض الأفراد في صورة “لايفات” و”بودكاست” ومقاطع مصورة، والسلبي في هذه الظاهرة الجديدة هو التزايد المطرد في المحتوى الذي يتضمن خرافات ودجل، وتتراجع فيه الحقائق العلمية المثبتة. معظم ما يبث من معلومات في المحتوى الرقمي يفتقر إلى أبسط قواعد المنهج العلمي، ويتضمن أفكار غير موثقة، تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة، ويصدقها معظمهم دون سؤال عن مصدر المعلومة ومدى دقتها العلمية، بالرغم من توافر المصادر العلمية الرصينة والمؤسسات البحثية المتخصصة في عصرنا الحالي. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص المعلومات، بل في هذه الفوضى غير الخلاقة، فوضى المحتوى الرقمي، التي ساعدت على نشرها منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح من السهل على أي شخص أن يقدم نفسه بوصفه خبيرًا أو باحثًا أو صاحب نظرية جديدة تهدم العلم المثبت، وذلك كله بناء على تجارب شخصية أو انطباعات أو إيمان عميق في نظرية المؤامرة، دون المرور بخطوات العلم الحقيقي ومراحل التحقق والتدقيق والمراجعة المتعارف عليها.

إن العلم لم يكن يومًا مجرد رأي شخصي أو تجربة فردية أو حديث في بث مباشر أو حلقة بودكاست أو مقطع قصير يهدف إلى تحقيق “التريند”. العلم له أصول وقواعد مستقرة من مئات السنين، تبدأ بطرح الفرضيات، ثم إجراء الدراسات والبحوث وفق منهجية علمية دقيقة، ثم إخضاع النتائج للتحكيم العلمي من المتخصصين، ثم نشرها في دوريات علمية معترف بها، قبل أن يتم الاعتراف به كجزء من المعرفة الإنسانية الموثوقة. أما ما يُطرح خارج هذا النظام فلا يمكن تسميته بالعلم لمجرد كثرة المشاهدات، أو الإعجابات، أو المشاركات، أو عدد المتابعين.

وشهدت السنوات الأخيرة نموًا متزايدًا للبث المباشر والبودكاست ومنصات صناعة المحتوى الرقمي المضلل، حيث أصبح المحتوى المثير للجدل أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى العلمي الرصين المبني على الدليل. وبدلًا من احتفاء المتابعين لهذه المنصات بالباحثين والعلماء، أصبحوا يحتفون ببعض أصحاب الادعاءات الغريبة والخرافات المثيرة والصادمة والتي تخلو من الدقة والتوثيق، وأصبح المشاهدون لها بالملايين، يتعرضون لمعلومات مختلطة يصعب التمييز فيها بين الحقيقة والخرافة.
والأخطر من نشر الخرافات التقليدية أو الأفكار غير العلمية، أن المحتوى الرقمي قد امتد في السنوات التي تلت أزمة جائحة كورونا إلى مجالات أكثر خطورة، مثل الصحة، حيث يقدم البعض وصفات علاجية أو نصائح طبية أو تفسيرات علمية زائفة لكيفية عمل جسم الإنسان دون أي سند علمي. وهنا تتحول المشكلة من مجرد تضليل فكري إلى تهديد مباشر لصحة الأفراد وسلامة المجتمع.

وإذا نظرنا إلى هذه الظاهرة في سياق الحروب الإلكترونية الناعمة والمنظمة التي تشنها قوى الشر التي تستهدف وعي الشعوب وعقولها، فأن الأمر يصبح أكثر خطورة. فربما يكون الهدف من إغراق الفضاء الرقمي بالخرافات والشائعات والمعلومات المضللة ليس مجرد مصالح مادية وبيزنس، ولكنه قد يكون أداة فعالة لتجهيل المجتمعات وإضعاف قدرتها على التفكير النقدي، وإشغالها بقضايا وهمية وصراعات مفتعلة بعيدًا عن التحديات الحقيقية التي تواجهها. وهنا تكمن الخطورة في ترك الفضاء الإلكتروني مفتوحًا لكل من يعبث بوعي المجتمع بأفكار غير موثقة علميًا. وبالتالي أصبح من الواجب مواجهة هذه الظاهرة بحزم، ليس فقط من خلال سن التشريعات التي تهدف إلى منع أو تنظيم المحتوى الرقمي، بل أيضًا من خلال ترسيخ ثقافة احترام العلم ومنهاجيته، وتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى المواطنين، وتعليم الأجيال الجديدة كيفية التحقق من المعلومات ومصادرها قبل تصديقها أو إعادة نشرها.

إن الدفاع عن العلم في العالم المتقدم لا يقتصر على الجامعات ومراكز البحث وحدها، بل يشارك فيه كل المجتمع ومؤسساته، وذلك لإيمانهم بأنه كلما ازدادت قدرة المواطن في بلادهم على التمييز بين المعرفة الموثقة والادعاء غير المدعوم بالدليل، ازداد المجتمع تقدمًا من خلال تراجع مساحة الخرافة واتساع مساحة التفكير النقدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى