أ.د. محمود السعيد .. أهم الرسائل في يوم إفريقيا
بقلم أ. د. محمود السعيد _ نائب رئيس جامعة القاهرة
نظمت جامعة القاهرة مطلع الأسبوع الجاري احتفالية متميزة بمناسبة “يوم إفريقيا” الثالث والستين، وذلك بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في مناسبة تعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية والحضارية بين مصر ودول القارة الإفريقية، وتؤكد المكانة التي تحتلها إفريقيا في الوعي الجمعي المصري، وليس أدل على ذلك من أن يأتي الاحتفال هذا العام من قلب جامعة القاهرة العريقة لتؤكد على هذا المعنى. أقيم الاحتفال بمناسبة ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، وهي المنظمة التي واكب إنشاؤها حركات التحرر الوطني في إفريقيا، ومثلت المنظمة بداية مرحلة جديدة من التضامن الإفريقي والسعي نحو التنمية والتكامل بين شعوب القارة، قبل أن تتبلور الفكرة لاحقًا في شكل منظمة الاتحاد الإفريقي.
وقد حملت الاحتفالية العديد من الرسائل المهمة التي وردت في سياق كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال
المناسبة، والتي تعكس رؤية مصر الحكيمة تجاه القارة الإفريقية، كما تؤكد على مجموعة من المعاني الإنسانية والتنموية.
أولى هذه الرسائل تمثلت في التأكيد على الأهمية المتزايدة لقارة إفريقيا في عالم اليوم، ليس فقط من الناحية الجغرافية أو السكانية، وإنما لما تمتلكه من ثروات وموارد طبيعية هائلة تجعلها من أغنى قارات العالم وأكثرها قدرة على تحقيق تنمية اقتصادية شاملة إذا ما كان هناك تعاون حقيقي بين دول القارة. فالقارة تمتلك موارد هامة تسهم في تحقيق التنمية وتشمل مخزون كبير من المعادن النفيسة واحتياطيات هائلة من النفط والغاز الطبيعي، فضلًا عن الأراضي الزراعية الشاسعة والغابات الاستوائية والأنهار والبحيرات والممرات البحرية المهمة. كما أن إفريقيا لديها ثروة بشرية شابة تعتبر أهم رافد من روافد التنمية إذا ما تم استغلالها جيدا والاستثمار فيها بصورة صحيحة. ومن هنا جاءت دعوة فخامة الرئيس دول إفريقيا إلى تعزيز التضامن الإفريقي، وتوحيد الجهود، وبناء شراكات حقيقية تقوم على تبادل المصالح وتحقيق التنمية المستدامة لشعوب القارة كافة.
أما الرسالة الثانية فتمثلت في التأكيد على أهمية احترام قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضرورة الالتزام بمبادئ العدالة، والتعاون وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى، خاصة فيما يتعلق بحقوق الدول في المياه. وقد أكدت كلمة الرئيس على أن إدارة الموارد المائية ينبغي أن تقوم على الحوكمة الرشيدة والتعاون المشترك، لا على فرض الأمر الواقع أو السعي للاستئثار بالموارد الطبيعية على حساب حقوق دول المصب. إن المياه ليست مجرد مورد اقتصادي هام، وإنما تعد قضية وجود واستقرار وتنمية، ومن ثم فإن أهم طريق لتحقيق استفادة الجميع منها هو التعاون والتفاهم لتحقيق المصالح المشتركة وتجنب النزاعات والتوترات التي قد تنتج عن تجاهل الحقوق التاريخية والقانونية للدول.
أما الرسالة الثالثة، والتي نفخر بها كثيرًا داخل جامعة القاهرة، فقد تمثلت في الإشادة الواضحة بدور الجامعة التاريخي والرائد في مجالات التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، ليس فقط على المستوى المصري، وإنما على المستويين العربي والإفريقي أيضًا. فقد كانت الجامعة، على مدار تاريخها الطويل، منارة للعلم والفكر والتنوير، وأسهمت في إعداد وتأهيل أجيال من القيادات والكفاءات العلمية والفكرية من مختلف الدول العربية والإفريقية، ممن عادوا إلى أوطانهم للمشاركة في بناء مؤسسات دولهم ودعم مسارات التحرر الوطني والتنمية والتحديث. كما لعبت الجامعة دورًا هامًا في نشر المعرفة وتعزيز الوعي وترسيخ قيم الانتماء والهوية والتعاون بين الشعوب، وهو دور يتجاوز حدود العملية التعليمية التقليدية إلى بناء الإنسان القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه والدفاع عن قضايا وطنه وقارته. ولذلك فإن تقدير القيادة السياسية لهذا الدور يعكس أهمية جامعة القاهرة باعتبارها أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، وخصوصًا ما يتعلق بالتواصل الثقافي والعلمي مع دول العالم بصورة عامة والدول الإفريقية بصورة خاصة.
ختامًا نؤكد أن قارة إفريقيا في حاجة ماسة اليوم إلى مزيد من التكامل والتنسيق في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية، والدولة المصرية حريصة كل الحرص على تعزيز الاستقرار والتنمية في دول القارة، انطلاقًا من دورها الريادي ومسؤوليتها التاريخية في القارة.






