مقالات كبار الكتاب

أ.دكتور محمود السعيد يكتب .. الابتكار ودور الجامعات

بقلم أ. دكتور محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

أصبح الابتكار في العصر الحديث هو حجر الأساس في بناء اقتصاد المعرفة، وهو الاقتصاد الذي لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية، وإنما يعتمد بشكل أساسي على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى منتجات وخدمات قادرة على تلبية احتياجات المجتمع. والدول التي تمتلك منظومة ابتكار قوية في عصرنا الحالي هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

إن مفهوم الابتكار لا يعني إنتاج الجامعات والمراكز البحثية أفكار جديدة أو إجراء أبحاث علمية وفقط، بل يعني القدرة على استغلال هذه الأفكار والأبحاث لمواجهة تحديات المجتمع المختلفة، سواء في الصناعة أو الصحة أو التعليم أو الزراعة أو الطاقة أو غيرها من المجالات الأخرى. ولذلك هناك أهمية كبيرة في أن تلعب الجامعات الدور الرئيس في قيادة الابتكار وخدمة الاقتصاد الوطني. ومن هنا ظهر مفهوم “الجامعة المبتكرة” في العقود الأخيرة، وهي الجامعة التي تعتمد على الفكر الابتكاري في مختلف أنشطتها، سواء في التعليم أو البحث العلمي أو خدمة المجتمع أو الإدارة المؤسسية. إن الجامعة المبتكرة لا تكتفي بتقديم المعرفة بصورتها التقليدية وفقط، لكنها تسعى إلى تطوير أساليب التعليم، وتبني المناهج الحديثة، وتشجيع التفكير النقدي والإبداعي، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، بما يسهم في إعداد خريج قادر على المنافسة في سوق العمل المحلي والدولي.

وتعتبر العلاقة بين الجامعات والقطاع الصناعي هي حجر الزاوية في منظومة الابتكار في أي دولة، وقدرة الجامعات على تحويل مخرجاتها البحثية إلى منتجات أو تطبيقات قابلة للتسويق هو أهم ما يميز الجامعات المبتكرة. ولذلك فهي تحرص على التعاون الوثيق مع المؤسسات الصناعية والإنتاجية من أجل توجيه البحث العلمي نحو احتياجات المجتمع الفعلية وربط الأبحاث العلمية بالتطبيقات العملية.

وبالنسبة لترتيب مصر في مؤشر الابتكار، فقد أطلقت مؤخرا منظمة الويبو، وهي المنظمة الدولية المعنية بحماية الملكية الفكرية، مؤشر الابتكار العالمي، والذي يقيس أداء الدول في مجال الابتكار وفق مجموعة كبيرة من المؤشرات والمحاور مثل البنية المؤسسية، والبحث العلمي، والتعليم، والتكنولوجيا، والاستثمار، ومخرجات الابتكار المختلفة. وقد جاءت مصر في المرتبة 86 من بين 139 دولة، وهو ترتيب يعكس تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث كانت مصر تحتل المرتبة 107 قبل عقد من الزمن، ثم شهد ترتيبها تطورًا تدريجيًا حتى وصلت إلى مركزها الحالي، وهو ما يعكس الجهود المبذولة من الدولة المصرية في دعم البحث العلمي والابتكار خلال السنوات الماضية.

كما يشير التقرير إلى أن مصر تمتلك عددًا من نقاط القوة المهمة في مخرجات الابتكار، خاصة فيما يتعلق بجودة البحث العلمي والصناعات الإبداعية، وهي عناصر تعكس وجود قدرات بشرية وعلمية واعدة في مصر. وفي المقابل، يوضح التقرير وجود تحديات مرتبطة بمدخلات الابتكار، وعلى رأسها التمويل، حيث لا يمكن بناء منظومة ابتكار قوية دون وجود استثمارات كافية لدعم البحث العلمي وتحويل الأفكار الابتكارية إلى تطبيقات عملية. وبالتالي فعلى القطاع الخاص والمؤسسات الصناعية الاهتمام بالاستثمار في البحث العلمي والتطوير، لأنهم أكبر المستفيدين من هذا الاستثمار الذي يسهم بشكل كبير في زيادة الإنتاجية، وتحسين الجودة، وتعزيز التنافسية. وفي عصرنا الحالي أصبحت مسألة الشراكة بين الجامعات وقطاع الصناعة ضرورة استراتيجية ملحة وليس مجرد اختيار أو رفاهية.

ومن أجل دعم دور الجامعات وتحويلها بصورة أكبر إلى جامعات مبتكرة، أرى أن هناك عددًا من الخطوات المهمة التي ينبغي العمل عليها خلال المرحلة المقبلة. وفي مقدمة هذه الخطوات ضرورة تيسير إجراءات تسجيل براءات الاختراع بمكتب براءات الاختراع المصري، سواء فيما يتعلق بالفترة الزمنية اللازمة للفحص والتسجيل والتي قد تمتد لسنوات كثيرة أو بالتكلفة وآليات السداد وتوقيت استحقاق الرسوم، بما يشجع الباحثين والمبتكرين على حماية أفكارهم وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق.

كما أن هناك أهمية كبيرة لقيام الوزارات والجهات المختلفة بتحديد أبرز التحديات والمشكلات القومية التي تواجه قطاعات الدولة المختلفة، وإرسالها بصورة واضحة إلى الجامعات ومراكز البحوث، حتى تصبح من بين الأولويات البحثية الرئيسية في الخطط البحثية لها، بما يضمن توجيه البحث العلمي نحو القضايا الأكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع والدولة.

ومن المهم أيضًا تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات الصناعية والإنتاجية بصورة أكبر، بما يسمح بإنشاء شراكات حقيقية بينهما.

هناك أيضاً حاجة ملحة لإدماج مهارات الابتكار والتفكير النقدي وريادة الأعمال ضمن العملية التعليمية في مختلف التخصصات، إلى جانب التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في التعليم والبحث العلمي، باعتبارها من أهم الأدوات التي ستشكل مستقبل الاقتصاد والمعرفة خلال السنوات المقبلة.

وأخيرًا، فإن تطوير منظومة الابتكار داخل الجامعات يتطلب إعادة النظر في معايير تقييم الأداء الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، بحيث لا يقتصر الأمر على النشر العلمي فقط، وإنما يمتد ليشمل مخرجات ابتكارية أخرى مثل براءات الاختراع، والشراكات الصناعية، والمشروعات التطبيقية، والمخرجات ذات الأثر الاقتصادي والمجتمعي، لأن الجامعة الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الأبحاث المنشورة، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل هذه الأبحاث إلى مخرجات تدعم التنمية وتخدم المجتمع والدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى