بقلم أ.دكتور محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
في أحدث تقرير بعنوان «آفاق الاقتصاد العالمي » (World Economic Outlook)، وهو تقرير يصدر عن صندوق النقد الدولي كل عامين تقريبا، ويستند إلى تحليلات واستقصاءات خبراء الصندوق من اساتذة الاقتصاد بشأن السياسات والتوقعات العالمية، كانت صورة اقتصاد ما بعد الحرب قاتمة. فالاقتصاد الدولي الذي استطاع الصمود خلال العام الماضي في مواجهة تصاعد التوترات التجارية التي تسببت فيها تعريفات الرئيس ترامب الجمركية، وحالة عدم اليقين المرتبطة بهذه التوترات، يواجه هذا الاقتصاد اليوم اختبارًا شديد القسوة بسبب الحرب الجارية في الشرق الأوسط، وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على اقتصادات الدول.
وبافتراض انتهاء الصراع خلال شهر مايو الجاري، او على الأقل بقاءه محدودًا من حيث المدة والنطاق، فيتوقع التقرير في هذه الحالة حدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي إلى نحو 3.1% في عام 2026، ويزيد بشكل طفيف في عام 2027 ليصل إلى 3.2%. توقعات النمو الاقتصادي العالمي قبل الحرب كانت 3.4% في 2026، اي أن الأزمة قللت توقعات النمو بنسبة ليست قليلة وهي 0.2% . أيضا يتوقع التقرير أن يشهد التضخم العالمي ارتفاعًا محدودًا في عام 2026 بسبب أرتفاع متوقع في أسعار الطاقة قد يصل إلى 24% من السعر المتداول قبل الحرب. والمشكلة التي تعاني منها شعوب الدول دائما هي أن هذه الصراعات الجيوسياسية تجعل الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية هي الأكثر عرضة لهذه التداعيات السلبية، فهي غالبًا ما تتحمل كلفة صراعات لا دور لها في إشعالها.
الأسوأ من ذلك أن إطالة أمد الصراع أو اتساع نطاقه، فضلًا عن احتمالات عودة التوترات التجارية، سوف تؤدي إلى تناقص النمو العالمي ليصل لمستوى أقل بكثير من 3.1%، وعدم استقرار الأسواق المالية. كما أن ارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب سيؤدي إلى زيادة مستويات الدين العام في العديد من الدول، بما قد ينعكس سلبًا على اقتصادات هذه الدول ويُفاقم نقاط الضعف الهيكلية فيها.
وفي مقابل هذا السيناريو المتشائم، لا يستبعد التقرير سيناريو أكثر تفاؤلًا، يؤدي إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية بشكل أسرع من المتوقع، وهو سيناريو يفترض تحقق عاملين رئيسيين وهما زيادة الإنتاجية المدفوعة بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الحد الذي يعوض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب، وتراجع بشكل دائم في حدة التوترات التجارية.
وما يهمنا أكثر في هذا التقرير هو مجموعة من التوصيات الواردة فيه والتي تدعو الحكومات إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب من خلال تبني عدة سياسات متماسكة، تشمل تعزيز القدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية التي سببتها الحرب، والحفاظ على تنفيذ حزمة سياسات اقتصادية موثوقة، وتدعيم ملف التعاون الدولي. وتُعد هذه السياسات مهمة ليس فقط لتجاوز تداعيات الحرب، بل أيضًا لتحقيق استدامة في مواجهة أزمات قد تحدث في مستقبل عالم غير مستقر.
يشير التقرير أيضا إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي خلال فترة الحرب قد تؤدي إلى مخاطر تضخمية وضعف الاستدامة المالية، فضلًا عن أنها كانت بديلا لجزء من الإنفاق الاجتماعي، وهو ما قد يُسهم في تأجيج التوترات المجتمعية.
دائما ما تشتعل الحروب بسبب حسابات المصالح الضيقة، دون حساب لتداعياتها، والذي يتحمّل تكلفتها في نهاية المطاف شعوبًا لا علاقة لها بها. ولا يقتصر أثر اندلاعها فقط على وقت وقوعها، بل تمتد تداعياتها لفترات طويلة قد تصل لعقود، وهو ما يفرض على صناع القرار اتخاذ قرارات سريعة من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وتداعيات الحرب الحالية بكل تأكيد سوف تستمر لفترة تتجاوز نهايتها، ولذا علينا أن نستعد من الآن. ومن أبرز ما ينبغي الاستعداد له في المرحلة المقبلة هو الضغوط التضخمية المتمثلة في ارتفاع متوقع في الأسعار، خاصة في أسعار الطاقة، في ظل التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، وما قد تفرضه من واقع جديد سينعكس على تكلفة الطاقة عالميًا، ومن ثم على مستويات التضخم في مختلف الاقتصادات.
إن الاقتصاد العالمي الآن في مرحلة دقيقة، تتطلب وعيًا واستعدادًا جادًا لتجاوز أشواك ما بعد الحرب.








