مقالات كبار الكتاب

دكتور محمود السعيد يكتب .. التعميم والفكر السطحي

بقلم أ.دكتور محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

يبقى التعميم غير المنضبط بمثابة أحد أبرز مظاهر الفكر السطحي غير الرشيد، بل يعتبر في رأيي من أخطر مظاهر هذا الفكر أثرًا على وعي الأفراد وسلوك المجتمعات. ونقصد بالتعميم ميل الإنسان إلى استخلاص أحكام عامة من مواقف فردية محدودة، دون سندٍ علمي أو تحليلٍ منهجي. هذا التعميم التعسفي لا يخطئ فقط في الاستنتاج، بل يفتح الباب أمام سلسلة من المشكلات الاجتماعية التي قد تمتد آثارها إلى كافة مجالات الحياة، ومنها المجالات شديدة الحساسية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر. إن التعميم السطحي هو قفزة غير مبررة من الجزئي إلى الكلي، ومن الخاص إلى العام، دون المرور بمراحل التحقق والتثبت التي يفرضها التفكير العلمي الرصين. وهو هنا يختلف تمامًا عن منهج الاستقراء في العلم الذي يقوم على أسس علمية صارمة تمكن الباحث من الوصول إلى استنتاجات عامة من استقراء جزئيات الظاهرة محل الدراسة.

بصفة عامة فإن التعميم ليس أمرًا عفويًا أو تلقائيًا، ولا يمكن أن يتم “بالفهلوة” وادعاء العلم بالغيبيات، بل هو عملية علمية منهجية معقدة لها شروطها الصارمة وأدواتها المحددة. ويجب علينا ألا نقبله إلا إذا استند إلى دلائل قوية من خلال دراسات علمية محكمة، تُجرى على عينات ممثلة للمجتمع محل الدراسة بصورة صحيحة تراعي التنوع والاختلاف بين أفراده. ويجب تكرار النتائج في أكثر من دراسة، وفي سياقات مختلفة، وباستخدام أدوات قياس دقيقة، حتى يمكن الاطمئنان إلى أن ما تم التوصل إليه ليس مجرد صدفة، أو نتيجة لتحيزٍ ما في العينة أو في تصميم الدراسة. أما في غياب هذه الشروط، فإن أي محاولة للتعميم تظل قاصرة، بل ومضللة في كثير من الأحيان. هذه المنهجية في التعميم هي الوسيلة التي اعتمد عليها العلماء لأثبات مضار التدخين وعلاقته بأمراض خطيرة مثل السرطان وأمراض القلب.

أشهر الأمثلة على خطورة التعميم غير العلمي ما يحدث من بعض الأشخاص في مجال الصحة، حين يطبق أحدهم بروتوكول علاجي على مريض بعينه، فيستجيب له هذا المريض وتتحسن حالته، فيقوم بتعميم هذا البروتوكول على جميع المرضى، مفترضَا أن البشر مجرد نسخ متطابقة لا تختلف في طبيعتها أو ظروفها أو حالتها المرضية. والحقيقة أن هذا التعميم المخل يتجاهل حقائق متفق عليها بين العلماء مثل تعقيد تركيب الجسم البشري، وتباين الاستجابات الفردية للعلاج، واختلاف الخلفيات الوراثية والبيئية والصحية لكل مريض. هذه الحقائق جعلتنا نؤمن بأن العلاج الذي ينجح مع حالة معينة قد لا يكون مناسبًا لغيرها، بل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تؤدي للوفاة إذا استُخدم خارج سياقه الصحيح ودون إشراف علمي دقيق.
في الحقيقة لا يقتصر خطر التعميم على المجال الطبي، بل يمتد لكافة جوانب الحياة اليومية والاجتماعية. هناك ميل واضح لدى الكثير من الأفراد في مجتمعنا إلى تفسير الأحداث الفردية تفسيرات عامة، دون البحث عن أسبابها الحقيقية أو تحليلها تحليلًا منطقيًا. أبسط مثال على ذلك هو ما نلاحظه في حياتنا الاجتماعية، حين تلاحظ إحدى السيدات تكرار وقوع بعض الحوادث العرضية مثل كسر أدوات منزلية، أو تعطل جهاز، أو إصابة أحد الأبناء بجرحٍ نتيجة اصطدامه بأثاث المنزل، وذلك في أوقاتٍ تتزامن مع زيارات بعض الأقارب أو الأصدقاء، فتسارع إلى تعميم هذا التزامن وتفسره على أنه دليل على الحسد أو النوايا السيئة، دون البحث عن التفسيرات الواقعية والمنطقية، والتي غالبًا ما تكون الإهمال أو عوامل بيئية عادية أو حوادث قدرية. في هذه الحالة يحول الفكر السطحي التزامن العرضي إلى علاقة سببية غير حقيقية، ويُبنى عليه حكم عام قد يؤثر بالسلب على العلاقات الاجتماعية وقطع صلة الأرحام.

هذه الظاهرة السلبية تصبغ معظم النقاشات العامة في مجتمعنا للأسف، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نجد أن ظاهرة التعميم التعسفي هي السمة الغالبة في الكثير من الحوارات. فبدلًا من قيامنا بتحليل الأحداث في سياقها المنطقي، والتمييز بين الحالات الفردية والاتجاهات العامة، يلجأ الكثيرون منا إلى تعميم سلوك فئة محدودة من المجتمع على جماعة بأكملها والقيام بإصدار أحكام متعسفة بناءً على مواقف جزئية. وأكثر مجال يحدث فيه ذلك هو المجال الرياضي، لا سيما في كرة القدم، فحينما يقوم عدد محدود من المشجعين بتصرفات غير لائقة، يُقابل ذلك عادة بتعميم الاتهام على جمهور الفريق بأكمله، مما يؤدي إلى تعميق حالة الاستقطاب بين الجماهير وزيادة حدة التعصب، وربما الانزلاق إلى سلوكيات عدوانية لا مبرر لها. وقد حدث ذلك في مواقف عديدة، حين تحولت مواقف فردية أو تصريحات عابرة إلى مبررات لتغيير مواقف جماهيرية كاملة، وليس ما حدث في بطولة إفريقيا الأخيرة لكرة القدم ببعيد.

أعتقد أن أخطر صور التعميم غير العلمي يحث عندما يروج البعض لأنظمة غذائية أو “بروتوكولات علاجية” والادعاء أنها قادرة على شفاء جميع الأمراض، استنادًا إلى بعض التجارب الفردية المحدودة أو شهادات من مرضى غير موثقة. إن تحسن بعض الحالات بعد اتباع بروتوكول معين لا يعتبر دليل كافي على فاعليته العامة، ولا يبرر تعميمه على جميع المرضى. فربما تكون هذه الحالات متأثرة بعوامل أخرى، مثل طبيعة المرض، ومرحلته، أو عوامل نفسية ووراثية، أو حتى مصادفات زمنية. لكننا للأسف نجد أن الكثيرين في مجتمعنا ينجرفون وراء هذه الادعاءات، خاصة إذا كان المروج لها صاحب شخصية مؤثرة في الحديث، فيتخذون قرارات صحية خطيرة لا يمكن تداركها، مثل التخلي عن العلاجات الطبية المعتمدة.

الأدهى والأصعب من وجود هذه الظاهرة هو انتشارها بسهولة وشيوعها وقبولها لدى قطاعات واسعة من الجمهور، نتيجة غياب الوعي بأسس التفكير العلمي ومبادئ الاستدلال السليم عند الكثير منهم. ومن هنا تبرز أهمية توعية الجماهير بأهمية التعامل المنضبط مع المعلومات التي تعرض عليهم، لا سيما في ظل الانفجار المعلوماتي الذي نعيشه اليوم. هذا الوعي يتطلب جهدًا تربويًا وتعليميًا يبدأ من الصغر، بحيث نُعلّم أبناءنا متى يكون التعميم جائزًا ومتى يكون مرفوضًا، وكيف يفرقون بين الملاحظة الفردية والنتيجة العلمية، وبين الارتباط العارض والعلاقة السببية الحقيقية. فالمجتمع الذي يتقن أفراده مهارات التفكير النقدي، ويُحسنون تقييم ما يُعرض عليهم من أفكار ومعلومات، هو مجتمع أكثر قدرة على مقاومة التضليل، وأكثر استعدادًا للتقدم، وأكثر حفاظًا على تماسكه واستقراره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى