كتبت سلمى أرباب
أبعد من الجدران: عن البيت الذي نسكنه والبيت الذي يسكننا…
“سيأتي يومٌ يا بني، تكون فيه درجة حرارة طفلك مرتفعة، ولن تستطيع البقاء بجواره لأنك تُحلّق في الجو..”
لم تكن هذه الكلمات مجرد نصيحة عابرة ألقاها “الحاج علي”—الذي قضى عمره قائداً في سلاح الطيران بالجهاز العسكري—على مسامع ابنه الشاب وهو ينهي مرحلته الثانوية. كان الابن يحلم بالسير على خطى والده، يطمح إلى ارتداء ذلك الزي الذي يجلب الفخر، والطيران بين السحاب. لكن الأب، بجمال حكمته وعمق خبرته بالحياة، رأى ما هو أبعد من مجرد بريق الرتب والأجنحة. طلب منه أن يختار كليّة مدنية، أن يزرع قدميه في الأرض، ليغدو قادراً على أن “يطير” بأسرته على أرض الواقع؛ فرأى أن حماية السقف الذي يظلل صغاره، والوقوف بجانبهم في لحظات ضعفهم ومرضهم، هو الأعظم شرفاً وأبقَى أثراً.
رحل الحاج علي، لكن كلماته ظلت حلقةً دافئة في أذن ابنه، تُذكّره دائماً بأن البطولات الحقيقية لا تُصنع دائماً في الأعالي، بل تُبنى تحت سقفٍ صغير، حين تكون حاضراً، تشعر وتُشعِرُ من معك بأنه محميٌّ بك، وأنك به مَحمِيّ.
عن المعنى الحقيقي للتكامل…
ومن هذه المقدمة، رتّب الحاج علي لابنه الشاب حياته، ووضعه على أرضٍ صلبة لا شتات فيها، وأنار له الطريق لكي يعبر بسلام إلى معاني الوجود الحقيقي.
ولكن… ماذا عنا نحن من هذه النصيحة حين ندخل إلى بيوتنا؟
كم من بيتٍ يبدو في الظاهر رائعاً، مُصمماً بعناية، وتزينه الفخامة، لكن ينقصها شيءٌ لا يُشترى! يحضرني هنا سؤالٌ مهم وشفاف: هل بيوتنا تشبه ذاك البيت الذي قصد الأب أن يشرع أبوابه؟ هل نشعر فعلاً بأن بيوتنا مكتملة؟
وهنا، لا نعني بالكمال توافر كل احتياجاتنا المادية، ولا روعة تفاصيله وجلال المظاهر، إنما نعني “التكامل”.. ذاك الشعور الدفين بأنك لستَ وحدك في منتصف الطريق، وأن السقف الذي يظلك يحميك بحق.
ورغم ذلك، فإن الحديث عن هذا النقص لا يعني أن الأبواب قد أُغلقت على الشقاء، ولا أن كل بيتٍ يفتقد الدفء الدائم هو حكمٌ مؤبدٌ بالإحباط؛ فكم من بيوتٍ بدأت رائعة، مسكونة بالود والمحبة، لكنها تترنح أحياناً تحت وطأة الظروف المتغيرة وضغوط الحياة، وينقصها فقط تلك اللمسة الذكية من الحضور والاحتواء.
الحضور الداعم والسكينة التشاركية…
فماذا لو كل قائمٍ على بناء بيت إلتفت إلى جوهر تلك النصيحة الخالدة؟ ماذا لو أدركنا جميعاً أن البطولة الحقيقية لا تتجلى في معارك الحياة الخارجية، بل في القدرة على جعل البيت ملاذاً آمناً يتسع للضعف قبل القوة، وللتعب قبل الرخاء؟ حينها فقط، يمكن للحياة أن تتغير، وتتحول إلى نسخةٍ أجمل وأكثر صموداً، حتى وإن تلاطمت من حولها أمواج الصعاب.
ومن هنا، تجب تحية إجلالٍ وإكبار لكل رجلٍ استطاع رغم أثقال الدنيا ومسؤولياتها أن يُغذي بيته بالدفء، وأن يكون لأهله وطناً حاضراً، يسندهم بوجوده الحقيقي، ويمنحهم يقيناً بأنهم في حدق العين وفي أمان القلب دائماً.
لترميم كل بيتٍ أوشك على السقوط، لا تقع مسؤولية الترميم على كاهل الرجل وحده، بل هي مسيرةٌ تشاركيةٌ بين رجلٍ وامرأة؛ اثنين قررا عن وعيٍ ومحبة أن يصنعا “أرضاً مشتركة للأحلام”.. أرضاً يتنفسان على ثراها بسلام، ويمنحان لأنفسهما فوقها مساحةً واسعة للحُلم، يكتملان بها، ويستعينان بوجودها على مشاقّ الطريق وضغوط الأيام.
خذوا بأيدي بعضكم البعض لتعمروا بيوتكم؛ حتى وإن كان الحلمُ بسيطاً صغيراً، فالعبرة ليست بحجم الحلم، بل بضرورة أن تتشاركوا في بنائه، وانتظاره، وتحقيقه خطوةً بخطوة. هنا تحديداً، وفي منتصف هذه الرحلة، يحدث ذاك “الترابط الأليف”.. بين رجلٍ يكدح ويتعب في معترك الحياة، وامرأةٍ تتسع روحُها لِتُسكن آلامه بعد كدحه المستمر، فتغدوا له السكن، ويكون لها السند.
كثافة الحضور على أرض الأحلام المشتركة…
وفي غمار هذا السعي، قد يقع البعض في وهمِ انتظار “الظروف المثالية” لنشعر باكتمال بيوتنا؛ ننتظرُ متسعاً أكبر من الوقت، أو ظروفاً أكثر صفاءً، أو فرجاً يأتي به الغد.. لكنّ البيوت الحقيقية لا تُبنى في محطات الانتظار!
إن “أرض الأحلام المشتركة” ليست مساحةً جغرافية شاسعة ولا أوقاتاً ممتدة بلا انقطاع، بل هي مساحةٌ شعورية نقتطعها بذكاءٍ وحب من قلب زحام الحياة. البيت الحقيقي يكمن في “كثافة الحضور” لا في طول مدته؛ يكمن في تلك التفاصيل الصغيرة التي نغزل منها دفئاً يعيش معنا طويلاً..
في فنجان قهوة يُشرَبُ بشغفٍ وإنصات، وفي حوارٍ صادقٍ يرممُ تعب الأيام، وفي نظرةِ امتنانٍ وتقديرٍ تطرد عن الكاهل أثقال السعي. إن البيوت التي تتنفس بالحبيبة الشريكة والزوج السند، هي البيوت التي تُتقن فنّ العيش في اللحظة، وتعرف كيف تجعل من الساعات القليلة حسناً وسلاماً يفيضُ على العمرِ كله.
وهناك فقط، وتحت هذا السقف الدافئ، يتحقق المفهوم الجميل الذي أشار إليه “الحاج علي”: عنصر “التواجد المريح الآمن”.. التواجد الذي تمتد آثاره في روح الإنسان وذاكرته، فيشعر بأنه مهذّبٌ بالحب، ومحميٌّ بالوجود، ومكتملٌ بشريكٍ اختار أن يطير معه على أرض الواقع.
إهداء .. و قُبلة حياة …
إلى كل الواقفين خلف أبواب بيوتهم، وهم يشعرون “بالانكسار”
رددوا معي بقلوبٍ موقنة: إن بيوتكم تستحق المحاولة.
ليست محاولةً واحدةً فقط، بل مع كل شروقٍ وغروب.. مع كل نظرةٍ حانية لمن نحب.. مع كل اشتياقٍ لتواجدٍ أكثر ودفءٍ أعمق.. وحتى مع كل شعورٍ بالخيبة أو التعب.. يجب علينا أن نكرر المحاولة، وبالتأكيد، سوف ننجح في مرة!
فـ لنمشِّ جميعاً على خطى “الحاج علي”.. ولنطير معاً، بوعيٍ وحب، على أرض الواقع.
