مقالات كبار الكتاب

أ.د. محمود السعيد يكتب .. ظاهرة وهم العبقرية

بقلم أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

هناك ظاهرة ليست واسعة الانتشار، لكنها باتت ملحوظة في الآونة الأخيرة، خصوصًا مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها، وولع البعض بالبحث عن الشهرة من خلال “التريند”. وهذه الظاهرة موجودة في العالم كله، سواء المتقدم منه أو النامي، وهي ظاهرة وهم العبقرية.

تبدأ أعراض هذا الوهم لدى البعض بعد اطلاعهم بصورة غير متعمقة على بعض الأفكار، ثم يعتقدون أنهم يستطيعون وضع نظريات جديدة تفسر العالم وتغير المعرفة القائمة. والبعض الآخر يعتقد أن مجرد النجاح الأكاديمي أو المهني يرتبط بالقدرة الاستثنائية على الفهم والتحليل والتنظير، وهو ارتباط قد يكون منطقيًا إلى حد كبير؛ فلا يوجد عالم أو مخترع إلا وكان متميزًا في مجال دراسته أو عمله، وغالبًا ما يمتلك بالفعل قدرات ذهنية ومعرفية مرتفعة. لكن في الحقيقة ليس كل متميز وناجح لديه الإمكانيات العلمية التي تجعل منه عالم وعبقري. يقع هؤلاء الأشخاص فريسة لوهم العبقرية عندما يتحول نجاحهم وتميزهم الشخصي إلى قناعة داخلية بأن لديهم نظريات جديدة تخالف ما هو مثبت علميًا، وقادرة على إعادة تشكيل المعرفة الإنسانية. وعندما يحدث ذلك، يصبح تميز الشخص وتفوقه سببًا في اعتقاده أنه يمتلك فهمًا يتجاوز حدود المنهج العلمي المتراكم في التخصص الذي ينتمي إليه.

وبالطبع هناك أسباب أخرى لظاهرة وهم العبقرية أحاول أن أرصدها في هذا المقال، منها أن الشخص الموهوم بالعبقرية غالبًا ما يكون من المتفوقين في الدراسة، ويُنظَر إليه منذ سنواته الأولى باعتباره “الأذكى” بين زملائه. ومع استمرار هذا النمط من التقدير لسنوات طويلة، قد تتشكل لديه قناعة تامة بأنه ليس مجرد فرد متميز، بل عبقري يمتلك قدرة استثنائية على فهم كل شيء تقريبًا. وهنا يحدث الخلط بين التميز والتفوق الأكاديمي، وبين امتلاك قدرات العالم العبقري القادر على إنتاج نظريات علمية جديدة تفيد البشرية وتسهم في تحقيق التنمية والرخاء.

وفي الحقيقة، فإن بناء النظريات العلمية لا يعتمد فقط على التميز الأكاديمي والثقافة الواسعة، بل يقوم على استمرارية البحث والتجريب والنقد والمراجعة المستمرة لفترات طويلة من الزمن تمتد لعشرات السنين. فالعلماء عبر التاريخ لم يكتفوا بتقديم أفكار تبدو جذابة أو مختلفة عن المتعارف عليه، بل أخضعوها لاختبارات علمية صحيحة، مع إيمان تام بإمكانية رفض الفكرة إذا ثبت عدم صحتها، ثم تعديلها بما يتفق مع صحيح العلم. أما الموهوم بالعبقرية، فيميل إلى التعامل مع أفكاره باعتبارها حقائق مكتملة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا تحتاج إلى مراجعة أو تدقيق، ويرى أن أي اعتراض عليها من الآخرين هو نوع من عدم الفهم أو الغيرة أو مقاومة الأفكار الجديدة، أو غير ذلك من التفسيرات التي تندرج تحت مفهوم “نظرية المؤامرة”.

أيضًا قد يكون أتباع الشخص والمحيطون به هم السبب الرئيسي في وهمه بالعبقرية، وذلك عندما يميل كثير منهم إلى المبالغة في وصفه ومدحه بعبارات مبالغ فيها. ومع الوقت قد تدفع هذه العبارات بعض الأشخاص إلى الاعتقاد بأنهم بالفعل عباقرة، فتتكون لديهم تصورات غير حقيقية عن قدراتهم. وإذا لم يجد هؤلاء الأشخاص من ينقد أفكارهم بطريقة علمية سليمة، وتُرك لهم المجال لنشر أفكارهم الخاطئة مع استمرار مبالغات المحيطين بهم حول قدراتهم، يتحول تميزهم الأكاديمي أو المهني إلى شعور بالتفوق الفكري المطلق، والاعتقاد بأن لديهم قدرات عبقرية تؤهلهم لوضع نظريات جديدة.
وسبب آخر لا يقل أهمية في الوقوع فريسة لوهم العبقرية هو حاجة الإنسان إلى التميز وترك أثر كبير في الحياة، فهذه الحاجة تلعب دورًا مهمًا في هذا السياق. فبعض الأشخاص لا يكتفون بالنجاح الأكاديمي والمهني، بل يسعون إلى أن يُنظر إليهم باعتبارهم علماء كبار وأصحاب إسهامات تاريخية. وهذا السعي في حد ذاته لا يُعد من السلبيات، بل هو في الحقيقة سعي إيجابي جدًا؛ لأنه قد يكون دافعًا للإبداع والاجتهاد، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول إلى قناعة غير واقعية بالعبقرية والقدرة على وضع نظريات علمية كبرى، دون الالتزام بالمسار العلمي الطبيعي القائم على البحث المنهجي والنشر العلمي، ومن ثم الاعتراف الأكاديمي من الهيئات العلمية المحلية والدولية.

وفي عصرنا الحالي ازداد الأمر سوءًا مع انتشار وتطور وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت على أي شخص أن يقدم نفسه باعتباره صاحب رؤية فكرية أو نظرية جديدة، في ظل وجود جمهور قد يكون بالملايين يؤيده ويصفق له دون تدقيق حقيقي لما يقدمه من أفكار. فكل ما يحتاجه الشخص ليقنع الجمهور في أحيان كثيرة هو الكاريزما والقدرة على التأثير والقدرة على خلط الأفكار الصحيحة بالخاطئة. والأمر الأخطر أن معظم الناس باتوا لا يفرقون بين القدرة على الحديث الجذاب أو استخدام المصطلحات الكبيرة، وبين العمق العلمي والمعرفة الحقيقية. ويؤدي هذا التفكير غير النقدي لدى كثير من مستخدمي وسائل التواصل إلى انتشار أفكار تبدو لامعة على مستوى الحديث، لكنها تفتقر إلى الأساس المنهجي الذي تقوم عليه المعرفة العلمية الرصينة.

ومن الأسباب الأخرى لهذه الظاهرة الحاجة الإنسانية إلى التقدير وإثبات الذات، فعندما يشعر الشخص بأن إنجازاته الواقعية لم تحقق له المكانة التي كان يتوقعها، وأنه يستحق مكانة أعلى، قد يلجأ إلى تضخيم دوره الفكري، سواء عن وعي أو دون وعي، ثم يقدم نفسه على أنه صاحب رؤية لا يفهمها الآخرون، أو أن لديهم مصلحة في منع انتشارها، في إطار نظرية المؤامرة التي يعتنقها الكثيرون في مجتمعاتنا. وقد يتحول الأمر لدى بعض الأشخاص الموهومين بالعبقرية إلى ما يشبه جنون العظمة، حيث يقتنع الشخص بأنه أفضل من جميع المتخصصين، وأن المجتمع العلمي عاجز عن إدراك عبقريته ودحض أفكاره، ولذلك يحاربه.

إن الادعاء المستمر بالعبقرية أو امتلاك الحقيقة المطلقة، خصوصًا عندما يكون المدعي صاحب كاريزما ومهارات تواصل فعالة، يمثل أمرًا بالغ الخطورة، خاصة عندما تتعلق الأفكار بصحة الإنسان وسلامته ورفاهيته. والعبقري الحقيقي هو من يدرك، في تواضع جم، أن العلم أكبر من أي فرد، وأن كل إنجاز فكري حقيقي هو جزء من جهد إنساني تراكمي طويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى