مقال رأي
أخر الأخبار

العبور من الظلام

وهم الانتقام: بين الغضب الداخلي والخطى الحرة

سلمي ارباب

 

تخيل معي أن الكراهية تشبه ظلاً ثقيلاً يلتف حول الروح، أو قيداً حديدياً يشدك إلى الخلف بينما العالم يتحرك إلى الأمام. إنها حالة من الشلل العاطفي، حيث تظل عيناك—المجازية—مفتوحة على مشهدٍ انتهى، بينما الشخص الذي تستاء منه قد عبر إلى أفقٍ جديد.

مقالات ذات صلة

حين يستوطن البغض في زوايا الروح، يبدأ السؤال الصامت في التردد بداخلنا:

إلى أي منحدر يقودنا هذا الثقل الشديد؟

إن المعاناة الحقيقية لا تبدأ من قسوة الخذلان، بل من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يغلق على نفسه أبواب الزمان، ويجعل من فكره حارساً لحدثٍ انتهى. في تلك المساحة الضيقة، يعيد المرء تمثيل مشهد الألم آلاف المرات؛ يحلل النبرات، ويرقب الاعتذار، ويتجرع مرارة الموقف مراراً وتكراراً، ظاناً أن غضبه سينال ممن آذاه، بينما الحقيقة أن هذا الانفعال لا يقع إلا على عاتقه هو، مسبباً له شللاً يمنعه من التقدم خطوة واحدة نحو الغد.

وهنا يبرز التساؤل الأكثر وجعاً:

كيف يبتلعنا الوهم بينما يمضي الآخرون في رحاب الحياة؟

إنها المفارقة الصادمة التي تجعل الإنسان يستهلك سنين عمره في ملاحقة طيف شخص غائب؛ شخصٌ أغلق الصفحات القديمة تماماً، ويسير الآن في دروبه بكل خفة، يبتسم، ويصنع نجاحات جديدة، دون أن يلتفت وراءه أو يدري بحجم الحرائق المشتعلة في صدر غيره. هذا الشعور لا يقدم ولا يؤخر في ميزان الواقع شيئاً؛ فلا هو يغير ما حدث، ولا هو يؤثر في مسيرة الطرف الآخر، بل هو محض ركض خلف رغبة مستحيلة في تعديل الماضي، معركة وهمية يُهزم فيها الإنسان أمام نفسه كل يوم.

ولأن طاقة الاستياء لا تعرف الحدود، فإننا نتساءل بالضرورة:

كيف يمتد هذا السم ليفسد كل اتجاهات حياتنا دون استثناء؟

فالكره ليس شعوراً معزولاً يمكننا حصره في زاوية واحدة، بل هو تيار جارف يفسد الحاضر بالكامل. إنه ينعكس على إنتاجية المرء وعطائه فيطفئ شغفه، ويلف علاقاته بمن حوله بالبرود والجفاء؛ لأن الفكر المشتت بالمظالم لا يملك مساحة للاحتفاء بالجمال المتاح. يسرق هذا الشعور السكينة، ويورث البدن التعب، ويحجب الرؤية عن كل فرصة جديدة أو يدٍ صادقة تمتد للمساندة، حتى يجد الإنسان نفسه غريباً عن ذاته، ضائعاً في تفاصيل معركة لم يجنِ منها سوى خسارة حاضره.

وفي نهاية المطاف، يبقى الخيار لك؛ إما أن تظل حارساً لزنزانة الغضب والكره ، أو تفتح الباب للخطى الحرة. لذلك، لا تثقل قلبك بالكره فليس في الحياة ما يستحق. تمسك بخيط من الحنان يحميك من قسوة الأيام، ينصف قلبك كلما دخل الغروب إليه لتشرق الشمس في أرجاء روحك وتُعيد ترتيب الأمور، فليس على الأرض ما يستحق الانكسار. الكره كسر للروح ومضيعة للعمر في اللهث وراء بغضٍ تكنّه لشخص تسري حياته وأنت في نقطة اللا شيء تخطط وتدور… إملأ قلبك بالنور وامشي قدماً لتقابل قدرك الذهبي ونصفك الآخر الذي يكملك دون أن يستهلكك. كانت نصيحتي لك قبل أن يستنزف الكره أجمل ما فيك ويتركك شبحاً هائماً بين الأجساد لا روح فيك.. وأخيراً، اعبر عبر الظلام ولا تسمح له أن يسكنك.

زر الذهاب إلى الأعلى