أ.د. محمود السعيد يكتب .. البحث العلمي المصري: إنجازات وتحديات
بقلم أ. د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
من أكثر القضايا التي تثير نقاشًا واسعًا بين المهتمين بالشأن الأكاديمي والتنموي هي قضية وضع وقيمة البحث العلمي المصري، حيث تتباين الآراء بصورة واضحة بين من يرى أن البحث العلمي المصري حقق إنجازات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، ومن يعتقد أن هذه الإنجازات لا تزال أقل من الطموحات المتوقعة. وبين وجهتي النظر السابقتين هناك حقيقة أكثر موضوعية؛ فالبحث العلمي المصري شهد تطورًا كبيرًا على المستوى الدولي من حيث حجم الأبحاث المنشورة في مجلات دولية من الفئات الأعلى، وكذلك حجم الاستهادات بها في أبحاث أخرى، لكن من ناحية أخرى فأن التأثير النوعي لهذا الإنتاج البحثي ما زال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في مردوده الاقتصادي والاجتماعي وأثره التنموي.
لا يمكن لأي منصف أن ينكر أن السنوات العشر الأخيرة شهدت نقلة كبيرة للبحث العلمي المصري من حيث حجم الإنتاج العلمي والانتشار الدولي. فقد نجحت الجامعات المصرية ومراكز البحث العلمي في مضاعفة معدلات النشر العلمي في المجلات الدولية المرموقة المفهرسة بقواعد البيانات العالمية المعترف بها، وعلى رأسها «سكوبس» و«كلاريفيت». وأصبحت مصر اليوم تحتل مكانة متقدمة على خريطة البحث العلمي العالمية مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن. المؤشرات الدولية ذات الصلة تعكس هذا التقدم بصورة واضحة؛ فوفقًا لتصنيف «سيماجو» الدولي فإن مصر تحتل المرتبة الأولى إفريقيًا والمركز الرابع والعشرين عالميًا في مؤشرات النشر العلمي، بحجم نشر سنوي يقترب من 40 ألف بحث دولي منشور في أرقى المجلات الدولية، بعدما كانت مصر تحتل المركز الأربعين عالميًا عام 2016. هذا التقدم الكبير لم يأتي بالصدفة، ولكنه كان انعكاسًا مباشرًا للجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة المصرية والجامعات والمراكز البحثية في دعم منظومة البحث العلمي وتشجيع النشر الدولي من خلال مكافآت مالية كبيرة، وكذلك تعزيز التعاون البحثي والشراكات مع المؤسسات الأكاديمية العالمية. كما انعكست هذه الجهود على التصنيفات الدولية للجامعات المصرية والتي شهدت تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2016 كان عدد الجامعات المصرية المدرجة في تصنيف التايمز البريطاني هو ثلاثة جامعات فقط، أما الآن فقد ارتفع العدد إلى ست وثلاثين جامعة مصرية، وهو ما يمثل زيادة تبلغ اثني عشر ضعفًا خلال أقل من عشر سنوات.
لم يقتصر الأمر على ترتيب الجامعات في التصنيفات العامة فقط، بل امتد إلى تحقيق مراكز متقدمة عالميًا في عدد من التخصصات العلمية الدقيقة. فقد نجحت بعض الجامعات المصرية، وفي مقدمتها جامعة القاهرة، في الظهور ضمن أفضل خمسين جامعة عالميًا في عدد من التخصصات، ومنها تخصص الأدوية والسموم الذي حققت فيه جامعة القاهرة المركز الثالث عشر ضمن أفضل الجامعات العالمية وفق تصنيف يو أس نيوز الأمريكي، مما يعكس جودة المخرجات البحثية في عدد من التخصصات العلمية في جامعاتنا المصرية.
ومن الجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية ولكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي عند تقييم البحث العلمي المصري هو حجم الإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية في المجلات المحلية والإقليمية. فهناك آلاف الدراسات والأبحاث التي تُنشر سنويًا باللغة العربية وتتناول قضايا مجتمعية وتنموية مهمة، إلا أن معظمها لا يظهر في قواعد البيانات الدولية الكبرى بسبب سيطرة اللغة الإنجليزية على غالبية المجلات العلمية الدولية المصنفة في قواعد البيانات سكوبس و كلاريفت. وإذا تم اخذ هذا الإنتاج البحثي في الاعتبار فإن الصورة الحقيقية للإنتاج العلمي المصري قد تكون أكبر بكثير مما تعكسه المؤشرات الدولية الحالية.
وبالرغم من كل هذه الحقائق والأرقام الكمية الطابع، فإن هناك رؤية أخرى ترى أن وضع البحث العلمي المصري ما زال أقل من الطموحات من حيث تأثيره المجتمعي، وهي رؤية لها وجاهتها. فالهدف الأسمى للبحث العلمي لا يجب أن يتمثل فقط في زيادة أعداد الأبحاث المنشورة أو تحسين ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية، وإنما يجب أن يتمثل في مدى قدرة هذه الأبحاث على تلبية احتياجات المجتمع ومعالجة المشكلات القومية الملحة والمساهمة في دعم خطط التنمية. فالمجتمع يحتاج إلى أبحاث تقدم حلولًا عملية للمشكلات التي تواجه قطاعات الصناعة والزراعة والصحة والطاقة والمياه والبيئة وغيرها من القطاعات الحيوية. وغالبية مؤشرات التصنيفات الدولية لا تستطيع قياس هذا الهدف بصورة مناسبة وتعتمد بصورة أساسية على المعايير الكمية، مثل عدد الأبحاث المنشورة وعدد الاستشهادات العلمية بها، لأنه ليس من السهل قياس هذا الأثر الاجتماعي للبحث العلمي ومدى مساهمته في حل المشكلات المجتمعية بصورة دقيقة. ولذلك قد نرى أن جامعة ما ظهر لها ترتيب متقدم في التصنيفات الدولية دون أن يكون لها مساهمة حقيقية في إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الجميع يتفق على أن البحث العلمي الحقيقي هو الذي ينتج أفكارًا جديدة، ويقود إلى براءات اختراع، ويولد شركات ناشئة، ويسهم في تطوير المنتجات والخدمات، وهذا هو الذي يجب أن يميز الآداء الجامعي، وليس مجرد المعايير الكمية فقط بالرغم من أهميتها بطبيعة الحال. وفي هذا الإطار فهناك حاجة إلى بذل جهود أكبر لتعزيز منظومة الابتكار وريادة الأعمال وربط الجامعات بالصناعة ومؤسسات الإنتاج. فرغم التحسن الملحوظ الذي حققته مصر في مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث تقدمت من المركز 107 عالميًا عام 2016 إلى المركز 86 عالميًا في أحدث التقارير، فإن المؤشر يكشف في الوقت نفسه عن وجود فجوة بين قوة المخرجات العلمية من ناحية، ومستويات التمويل والاستثمار في الابتكار من ناحية أخرى.
ومن ثم يمكن القول إن البحث العلمي المصري حقق بالفعل تقدمًا كبيرًا في المؤشرات الكمية العالمية، وأصبح يمتلك حضورًا دوليًا واضحًا ومؤثرًا، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على تعظيم الأثر التنموي والاقتصادي للبحث العلمي، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاعات الإنتاج والخدمات، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، وزيادة الاستثمارات الموجهة للبحث والتطوير. كما أن القطاع الخاص يجب أن يقوم بدور أكثر فاعلية في دعم البحث العلمي والابتكار، باعتبار أن الاستثمار في البحث العلمي هو أفضل استثمار استراتيجي طويل المدى ينعكس على الإنتاجية والتنافسية والنمو الاقتصادي. فالدول التي تقدمت خلال العقود الأخيرة لم تحقق ذلك بفضل مواردها الطبيعية فقط، وإنما بفضل بحث علمي قوي واقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.







