مقالات كبار الكتاب

أ.د. حسام عبد الغفار يكتب .. عدسةُ التقصير.. هل تُسقط حُرمةَ المكان؟

بقلم: أ.د. حسام عبد الغفار

القطُّ الضالُّ في الممرّ، والجدارُ المتشقّق، والممرّضةُ التي تأخّرت.. هل يُخرج هذا كلُّه المستشفى عن حقيقة تكوينه؟

قطٌّ ضالٌّ يعبر ممرَّ المستشفى، فيرتفع في وجهه هاتفٌ محمول. سريرٌ صدئ، جدارٌ تقشّر دهانه، ممرّضةٌ تأخّرت على نداء، طبيبٌ بدا في لقطةٍ مبتورةٍ غيرَ مكترث. وفي دقائق يصير المقطعُ «قضية رأي عام»، وتُساق المنشأةُ كلُّها — بمرضاها وأطبّائها وتاريخها — إلى منصّة الاتهام. والحجّةُ حاضرة على لسان المُصوِّر: أنا لا أنتهك حرمةً، أنا أكشف تقصيرًا. أليس المستشفى مكانًا عامًّا يدخله كلُّ الناس؟

هنا بالضبط يقع الخطأ الذي تُبنى عليه الخطيئة. فقبل أن نتجادل في العدسة، لا بدّ أن نُحسن قراءة المكان.

المستشفى ليس مكانًا عامًّا. قُلها ببطء، فإنّ نصف ما نراه من عبث الكاميرات وليدُ التسرّع في هذه الجملة وحدها. الميدانُ مكانٌ عام، والطريقُ مكانٌ عام؛ يعبرهما الناسُ مجاهيلَ بلا إذنٍ ولا غرض، ولا يملك أحدٌ أن يسألك فيهما: لماذا جئت؟ أمّا المستشفى فله بابٌ وبوّاب، وله إدارةٌ تضع قواعده، ولا يدخله داخلٌ إلا لغرضٍ واحدٍ محدَّد: أن يُداوى، أو يرافق من يُداوى، أو يعمل على مداواة الناس. فأنت لا «تمرّ» بالمستشفى كما تمرّ بالميدان؛ أنت «تقصده»، وقصدُك هذا هو تأشيرةُ دخولك وحدُّها معًا. دخلتَ بعهدٍ وإن لم توقّع عليه: أن تطلب الشفاء وتحترم شرط المكان.

وليس هو بالبيت المغلق أيضًا. إنه جنسٌ ثالثٌ بين المنزلتين، يعرفه القانون قبل الأدب: مكانٌ خاصٌّ في طبيعته، مؤسسيٌّ في إدارته، مطروقٌ للجمهور بغرضٍ محدّد. خاصٌّ لأنّ له مالكًا ومشغّلًا يشترط ويمنع، شأنَ البنك والمطعم والنادي. ومطروقٌ لأنّ أبوابه تستقبل الكافّة. لكنّ الطَّرْقَ غيرُ الإباحة: فالبيتُ الذي يستقبل ضيوفَه كلَّ مساء لا يصير طريقًا عامًّا لأنّ الزوّار كثُروا، والمسجدُ الذي يدخله الآلاف لا يفقد قداسته بالزحام. الازدحامُ لا يصنع «العمومية»، والبابُ المفتوح ليس تنازلًا عن الحُرمة، بل ثقةٌ بأنّ الداخل سيرعاها.

بل إنّ المستشفى أخصُّ الأماكن المطروقة جميعًا، وأولاها بالصون. ففي البنك تحفظ مالَك، وفي المطعم تقضي وقتَك؛ أمّا هنا فتخلع الإنسانُ عن جسدها السترَ وعن روحها التماسك. في هذا المكان وحده يُخبر الرجلُ غريبًا بما لم يُخبر به أهله، وتكشف المرأةُ لطبيبها ما وارته عن الدنيا، ويبكي الجَلْدُ الذي لم يره أحدٌ باكيًا. ومجرّدُ وقوفك في ممرّه يُفشي عنك خبرًا لم تأذن بإفشائه: أنّك عليل، أو أنّ عزيزًا عليك يُصارع. فأيُّ «مكانٍ عام» هذا الذي يعرّيك الوقوفُ فيه؟ إنّ حيطان المستشفى مؤتمنةٌ على أسرارٍ أكثر ممّا اؤتمنت عليه حيطانُ البيوت.

فإذا استقرّت هذه الحقيقة، جاء سؤال المقال، وهو أدقُّ ممّا يبدو: حين يقصّر المستشفى — حين يتشقّق جداره ويتسلّل قطٌّ إلى ممرّه وتتأخّر ممرّضته — هل يفقد هذه الطبيعة؟ هل يُخرجه العيبُ عن حقيقة تكوينه، فينقلب من مكانٍ خاصٍّ له حُرمةٌ إلى ساحةٍ مباحةٍ لكل عدسة؟

المستشفى ليس مكانًا عامًّا؛ هو مكانٌ خاصٌّ يَطرُقه الناسُ لغرضٍ واحد. والعيبُ في الخدمة لا يمسخ طبيعةَ المكان: فالمستشفى المقصِّر يظلّ مستشفى، داخلَه مرضى لهم أسرار، لا ساحةً سقطت حُرمتُها بسقوط الدهان عن جدارها.
الجواب: لا، وألفُ لا. فلنُنصف الدافعَ أولًا: التقصيرُ حقيقة لا نجمّلها. القطُّ لا ينبغي أن يكون في الممرّ، والجدارُ المتشقّق عيبٌ يُصلَح، والإهمالُ — إن ثبت — خطيئةٌ مهنية تستوجب الحساب، ومن يكشف خللًا حقيقيًّا لا نلومه على الكشف بل نسأله عن الطريق. لكنّ خصوصية المستشفى لم تكن يومًا مكافأةً على حُسن أدائه حتى تُسحب منه عند الإساءة. إنها ليست وسامًا يُنتزع، بل هي من صميم تكوينه؛ مصدرُها ليس نظافةَ الجدران ولا اكتمالَ الأسرّة، بل ذلك العليل الراقد خلف الباب بجسدٍ مكشوفٍ وسرٍّ مُودَع. فما دام على السرير مريضٌ يتوجّع، فللمكان حُرمةُ ذلك الوجع، قصّرت الإدارةُ أم أحسنت. الجدارُ المتشقّق يفضح إهمالَ من تولّى، لكنه لا يجرّد من خلفه من حقّهم في السَّتر؛ والقطُّ العابر يشهد على ثغرةٍ في النظافة، لا على سقوط عهدِ المكان.

بل إنّ المنطق المعاكس يقودنا إلى عبث: لو كان التقصيرُ يُسقط حُرمةَ المكان، لصار كلُّ عيبٍ صكَّ إباحة، ولأصبح كلُّ حاملِ هاتفٍ قاضيًا يقرّر وحده متى تسقط الحُرمة ومتى تبقى. ومن يملك أن يجزم أنّ هذا التأخير إهمالٌ لا ضغطُ نوباتٍ خانق؟ وأنّ تلك اللقطة تقصيرٌ لا لحظةٌ مبتورةٌ من سياقٍ لا تراه العدسة؟ الحُرمةُ التي تسقط بادّعاء كلِّ مدّعٍ ليست حُرمةً أصلًا. والبيتُ لا يفقد بيتيّته لأنّ سقفَه يرشح؛ فكيف بمكانٍ هو أشدُّ من البيوت خصوصيةً وأثقلُ أمانة؟

وههنا تظهر المفارقةُ المُرّة: عدسةُ «كشف التقصير» كثيرًا ما تُعاقب على التقصير غيرَ المقصِّرين. فالمقطع الذي أراد فضحَ الإدارة فضحَ في خلفيّته مريضةً لم تأذن، وكشف شاشةً تحمل أسرار أبرياء، وسمّر في الأذهان وجهَ ممرّضةٍ قد تكون أكثرَ من في المبنى إنهاكًا وأقلَّهم ذنبًا. أردنا أن نحاسب المؤسسةَ فحاسبنا العليلَ على علّته، ودفعنا حُرمةَ الأبرياء ثمنًا لدعوى الإصلاح. وأيُّ عدلٍ هذا الذي يبدأ بظلم من لا ناقةَ له في الخلل ولا جمل؟

حتى القطُّ الضالُّ — وهو أهونُ الأمثلة وأكثرُها تداولًا — يحمل الدرسَ نفسَه. صورةُ القطِّ وحدها، بلا وجهِ مريضٍ ولا بياناته، أقربُ إلى التوثيق المشروع؛ فليست في ملامح القطّ حُرمة. لكن انظر كيف تُستعمل: أتُرسَل إلى إدارة المنشأة والجهات المختصّة لتُصلَح الثغرة، أم تُرمى في فضاء التواصل لتُدان بها منظومةٌ بأكملها، ويُختزَل مستشفى يضجّ بجرّاحين يسهرون وأجهزةٍ تنقذ في صورة قطٍّ عابر؟ الصورةُ الواحدة قد تكون بلاغَ إصلاحٍ أو معولَ هدم؛ والفارقُ ليس في العدسة، بل في اليد التي تحملها والوجهة التي تقصدها.

ولذلك فالميزانُ الذي نحتكم إليه ثلاثةُ أسئلة: ماذا صوّرتَ؟ فإن كان عيبَ المكان دون وجوه المرضى وأسرارهم فقد سلكتَ أول الطريق. وإلى مَن حملتَه؟ فإن كان إلى من يملك الإصلاح والحساب — الإدارة، والخط الساخن، والجهات الرقابية — فقد أصبتَ القصد. ولماذا؟ فإن كان لجبر الخلل لا للتشهير والتشفّي، فأنت شريكٌ في الإصلاح لا خصمٌ للمكان. وبغير هذه الثلاثة، تنقلب الشكوى المشروعة محاكمةً بالكاميرا، لا تُصلح ثغرةً وتفتح جراحًا.

وعلى الضفّة الأخرى واجبٌ لا نُعفي منه أحدًا: فالمؤسسة التي تُغلق أبوابَ الشكوى لا يحقّ لها أن تندهش حين يفتح الناسُ نوافذَ الكاميرا. خيرُ ما يحمي حُرمةَ المكان أن تصونها المؤسسةُ أولًا: بابُ إنصافٍ قريبٌ وسريعٌ ومُعلَن، يجد فيه المتظلّمُ من يسمعه قبل أن يصرخ للعالم. والقطُّ الذي يُخرَج اليومَ بيد عامل النظافة خيرٌ من مقطعٍ يطارد سمعةَ المكان عشرَ سنين.
إنّ المستشفى الذي قصّر يحتاج من يُصلحه، لا من يهدم على مَن فيه سقفَ السترة. فلنقلها مرةً أخيرة، بإلحاح من يخشى أن تضيع الجملة في الزحام: المستشفى مكانٌ خاص، خاصٌّ بوجع الناس وأسرارهم، يَطرُقه الجمهورُ ولا يملكه، ويدخله الجميعُ ولا يُباح لأحد. فلنكشف الخللَ بشجاعة، ولنحفظ الحُرمةَ بنُبل؛ فما تعارضا يومًا إلا في وهم المتعجّلين. والمكانُ الذي يُداوي ال00ناسَ من عللهم، أَولى الناسِ بأن يُداووا علَّته بغير أن يجرحوه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى