مقالات كبار الكتاب

ا. د حسام عبدالغفار يكتب .. حين تتقدَّم الحكايةُ على الدليل

قراءةٌ هادئةٌ في ظاهرةٍ صحيّةٍ شغلت المصريين

بقلم ا. د حسام عبدالغفار

ما عاد يخفى على أحدٍ أنّ المريض المصريّ، حين تُثقله علّةٌ مزمنة، إنّما يحمل أعباءً تتجاوز الجسدَ إلى النفس والمعاش: مرضًا لا ينطفئ، وأدويةً لا تنقطع، ونفقاتٍ لا تهدأ، ومستقبلًا يكتنفه القلق. ومن رحم هذه المعاناة الإنسانيّة الصادقة، تنبتُ بين الحين والحين وعودٌ تَعِدُ بالشفاء النهائيّ والاستغناء عن الدواء، بلغةٍ بسيطةٍ دافئة، تحملُ من العاطفة قدرَ ما تخلو من الدليل. وتُدركُ وزارةُ الصحّة والسكّان أنّ خلف كلّ ظاهرةٍ من هذه الظواهر إنسانًا يبحث عن الأمل، لا عن المخاصمة. ومن هذا الفهم وحده، ينبغي أن تنطلق المخاطبة.

لماذا تنتشر؟
لا تنتشرُ الأفكارُ الصحيّةُ غيرُ المُسنَدةِ علميًّا لأنّها صحيحة، بل لأنّها تستجيبُ لحاجاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ عميقة. فالمريضُ الذي أَنهَكَته الأدوية يَتعطّش إلى وعدٍ بالخلاص منها. والإنسانُ الذي ضاق ذرعًا بتعقيد التشخيصات يَستريحُ إلى تفسيرٍ بسيطٍ يُقسِّمُ العالمَ إلى نافعٍ مُطلَقٍ وضارٍّ مُطلَق. ثم تأتي وسائلُ التواصل الاجتماعيّ فتستبدلُ الدراسةَ السريريّةَ بمقطع الفيديو، والإجماعَ الأكاديميَّ بعدد المتابعين. وحين تُضافُ إلى ذلك لغةٌ روحانيّةٌ تَخلطُ الحلالَ والحرامَ بالنافعِ والضارّ، يصبحُ نقدُ الطرح أصعب، لأنّ المُجادِلَ يخشى أن يُتَّهَمَ بمجادلة المُقدَّس.

ميزانُ العلم: دليلٌ لا حكاية
الطبُّ الحديثُ لم يبلغ ما بلغه من تَقدُّمٍ عبر الحكاياتِ الفرديّة، بل عبر منظومةٍ صارمةٍ من الأدلّة، تَدرَّجَت من التجارب السريريّة المُعشّاة إلى المراجعات المنهجيّة والتحليلات التَّجميعيّة. وقد يَتحسّنُ مريضٌ لأسبابٍ كثيرةٍ لا علاقةَ لها بما تَناوله: بسبب التطوُّر الطبيعيّ للمرض، أو أثرِ الإيحاء، أو تحسُّنٍ موازٍ في نمط الحياة، أو تَزامُنٍ مع علاجٍ آخر. ومُقابِلَ كلّ شهادةِ تحسّنٍ تُروى علنًا، ثَمَّةَ شهاداتٌ مسكوتٌ عنها، إمّا لأنّ حالاتِ أصحابها تَدهورت في صمت، أو لأنّ بعضَهم لم يَعُد بين ظَهرانينا ليُدلي بشهادته. هذا ما يُعرَفُ في علم الإحصاء بـ”انحياز الناجي”؛ أن نسمعَ صوتَ من نَجَوا وحدهم، فيختلَّ في أذهاننا ميزانُ الواقع.

حين يَستحيلُ الغذاءُ بديلًا عن الدواء
التغذيةُ السليمةُ ركنٌ أصيلٌ من أركان الصحّة، تَعترفُ به الوزارةُ وتُدرجه في استراتيجيّاتها؛ غير أنّ ثَمَّةَ بَوْنًا شاسعًا بين القولِ بأنّ الغذاءَ يَدعمُ الصحة، والقولِ بأنّه يَكفي لشفاء السكَّر والذئبة الحمراء والسرطان والقصور الكلويّ. إنّ نصيحةَ المريض بإيقاف الكورتيزون في أمراض المناعة، أو الإنسولين في السكَّر من النمط الأول، أو العلاج الكيميائيّ في الأورام، أو خافضات الضغط في فرط ضغط الدم… ليست خطأً علميًّا فحسب، بل قد تكون مخاطرةً صحيّةً جسيمة، لها وقائعها الموثّقة. وقد رأى المصريون في الأسابيع الأخيرة كيف انتقل النقاشُ من النظريّ إلى حالاتٍ بعينها: مرضى أوقفوا أدويتَهم فاشتدّ المرض، أو خَسروا ما لا يُعوَّض. وهذه الحالات لا تُذكَرُ شماتةً، بل لأنّها صوتُ من لم يَعُد قادرًا على الكلام.

في الخلطِ بين الإيمان والعلم
لمصرَ تقاليدُ راسخةٌ في إجلال الدين واحترام العلم في آنٍ واحد. وقد كان أعلامُ هذه الأمّة — من الرازي وابن سينا إلى ابن النفيس — أوّلَ من فرّق بين ما يُؤخذُ بالنصّ المعصوم وما يُؤخذُ بالتجربةِ والقياس. ومن ثَمَّ، فإنّ توظيفَ النصوص الدينيّة في تسويغ أنظمةٍ غذائيّةٍ بعينها ليس تكريمًا للدين، بل إقحامٌ للمُقدَّس في معاركَ لا يَنبغي أن تخصَّه؛ فالدينُ يَدعونا إلى التداوي ويأمرنا بحفظ النفس، ولم يَحصُر النجاةَ في صنفٍ من الطعام دون آخر.

مسؤوليّةُ النقد ومسؤوليّةُ الإصلاح
تُدرك الوزارةُ أنّ من يَلجأ إلى البدائل غير المُسنَدة علميًّا إنّما يبعثُ — في كثيرٍ من الأحيان — رسالةً عن قصورٍ في علاقته بالمنظومة الصحيّة: في الإصغاء، أو الشرح، أو إنسانيّة التعامل. ومن هنا تَعملُ الوزارة، من خلال التأمين الصحيّ الشامل وبرامج الطبّ الوقائيّ، وبالتعاون مع النقابة العامّة للأطبّاء والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، على رَدمِ هذه الفجوة ووضعِ أُطُرٍ تَصونُ الفضاءَ العامَّ من المحتوى الطبيّ المُضلِّل، دون أن تُكَمَّمَ فيه أفواهُ الحوار العلميّ الجادّ.

كلمةٌ ختاميّة
إلى المريض المصريّ: شكُّك مشروع، وحقُّك في السؤال مكفول، لكن لا تستبدلْ طبيبَك المؤهَّل بصوتٍ على الشاشة، ولا تُوقِفْ دواءَك بقرارٍ من غير طبيب. وإلى الأسرة: المحبّةُ وحدها لا تَكفي حين يَخصُّ الأمرُ الصحّة؛ فأرفقُ ما يَفعله المُحبّ بمن يُحبّ، أن يُرافِقَه إلى طبيبٍ مؤتَمَن. وإلى الإعلام: المساحةُ التي تُمنَحُ في صدارة المنصّات مسؤوليّةٌ لا امتياز.

تَمضي الظواهرُ وتَبقى المبادئ. وحين تَتقدَّمُ الحكايةُ على الدليل، يُجرَحُ المرضى أوّلًا، ويُخدَشُ العلمُ ثانيًا، وتُضيَّعُ سنواتٌ من تَقدُّمٍ ثالثًا. ولئن كان للحريّة في القولِ احترامٌ، فإنّ للأرواح — التي وَقَر في المواثيق الطبيّة أنّها مُقدَّسة — احترامًا أَوْلى. ولن يكون موقفُ الوزارة إلّا إلى جانب المريض المصريّ: بالعلم المُصاحَبِ بالرحمة، وبالدليل المُصاحَبِ بالإنصات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى