مقالات كبار الكتاب

د. محمود السعيد يكتب .. ترشيد الإنفاق فضيلة في كل الأوقات

بقلم: د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

نشأ البعض منا، وهم ليسوا بالعدد القليل، على فكرة مغلوطة مفادها أن الحرص على ترشيد استهلاك السلع والخدمات هو بالضرورة نوع من البخل والسلوك المذموم. أدعي أن هذه الفكرة المعوجة التي سادت لعقود تعكس تحولًا ثقافيًا شهده المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، حين بدأت ثقافة الإنتاج والانضباط في التراجع أما طوفان ثقافة الاستهلاك والمبالغة في الإنفاق، وخصوصا في فترة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، حتى أصبح الإسراف عند البعض سلوكًا محمودًا ومظهرًا من مظاهر الكرم أو الوجاهة الاجتماعية.

في الواقع أن الشعوب التي تتمتع بأخلاقيات ترشيد الاستهلاك، وعلى رأسها شعوب دول شرق وجنوب أسيا، حققت طفرات اقتصادية كبيرة كان أكبر أسبابها هو ثقافة ترشيد الإنفاق. وقد أثبتت التجارب العالمية في السنوات الأخيرة أن ترشيد الإنفاق كان ضرورة حتمية لتعافي الاقتصاد، خاصة في أوقات الأزمات. فمع تداعيات جائحة كورونا في عامي 2020 و2021 وما خلفته من ركود تضخمي، ثم التوترات الجيوسياسية في العالم مثل الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى العدوان الإسرائيلي على غزة، كان ترشيد الإنفاق هو أحد أبرز الحلول الاقتصادية التي لجأت إليها الحكومات لضبط الأوضاع الاقتصادية بالبلاد. وقد أسهمت هذه السياسات بدرجات متفاوتة في كبح جماح التضخم وتحسين مؤشرات الاستقرار الاقتصادي، وسرعة التعافي.

لكن هل ترشيد الإنفاق هو فقط ضرورة تفرضها الأزمات؟ أم أنها فضيلة يجب أن نتحلى بها في كل الأوقات؟

يجب علينا إدراك أن ترشيد الإنفاق لا ينبغي أن يكون سلوكًا مؤقتًا تفرضه الأزمات، بل يجب أن يكون منهجًا حياتياً، منهج يعكس وعيًا حضاريًا وسلوكًا مسؤولًا. إن الإسراف له صور متعددة يمارسها الكثيرون يوميًا دون انتباه، بدءًا من ترك المصابيح مضاءة في أماكن غير مستخدمة، ومرورًا بإهدار المياه نتيجة أعطال بسيطة في الصنابير أو سوء الاستخدام، ووصولًا إلى أنماط الاستهلاك المزعجة في المؤسسات العامة والحكومية، حيث تُستخدم الكهرباء والمياه دون أي ضوابط أو مراعاة للضرورة، مثل تشغيل أجهزة التكييف بشكل غير رشيد، وحتى في أوقات لا تستدعي ذلك مثل تشغيلها في أشهر الشتاء.

إن هذا الإسراف لا يقتصر أثره فقط على إهدار الموارد الطبيعية المحدودة، بل يمتد ليشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا متزايدًا على الدولة. فالاستهلاك غير المنضبط للطاقة يتطلب استثمارات ضخمة لإنشاء محطات توليد جديدة لمواكبة الطلب المتزايد، في حين أنه كان من الأفضل توجيه هذه الموارد إلى قطاعات أكثر أولوية مثل التعليم، والصحة، وتطوير البنية التحتية. كما أن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية يترتب عليه ارتفاع في معدلات الانبعاثات، بما يفاقم من ظاهرة الاحتباس الحراري ويؤثر سلبًا على البيئة.

ومن هنا نؤكد أن ترشيد الإنفاق هو ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، وينعكس إيجابيًا على المستوى المعيشي للأسرة، حيث يؤدي إلى خفض الأعباء المالية عليها، ويعزز من معدلات الادخار القومي، وهو ما يسهم بدوره في دعم الاقتصاد الوطني.

ومن الناحية السلوكية والأخلاقية، فإن ترشيد الإنفاق ليس بخلاً كما يدعي البعض، بل هو فضيلة إنسانية أصيلة دعت إليها الأديان السماوية كافة، وهي ثقافة محمودة يجب أن نعلمها لأطفالنا ونربيهم عليها. ويكفي أن يشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا” (الفرقان: 67)، حيث يؤكد هذا النص القرآني البديع على قيمة الاعتدال والترشيد بوصفها منهجًا متوازنًا يحقق الكفاية دون إسراف، ويضمن تلبية الاحتياجات دون تقتير.

وفي الختام، فإن ترشيد الإنفاق ليس مجرد سلوك اقتصادي رشيد، بل هو تعبير عن وعي مجتمعي وثقافة متحضرة، تعلي من قيمة المسؤولية الفردية والجماعية. وهو، في جوهره، استثمار في الحاضر والمستقبل معًا، يضمن حسن إدارة الموارد، ويعزز من فرص تحقيق التنمية المستدامة، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في موارد هذا الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى