بقلم د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
منذ بداية الإنسان على الأرض كانت الحروب دائمًا طامة كبرى تُلقي بظلالها على مختلف جوانب الحياة الإنسانية، فتؤثر في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة، كما تؤثر تأثيرًا عظيمًا في مسار العلم والمعرفة والبحث. الحروب بطبيعتها هي شرٌّ يصيب البشر والحجر، ويعطل مسيرة التنمية، ويحول اهتمام المجتمعات من البناء والتطوير إلى الهدم والتدمير. والبحث العلمي تحديدًا يمثل أحد أهم مكونات التقدم الحضاري، ولذلك فإنه كان عبر الزمن من أكثر المجالات تأثرًا بالحروب والصراعات المسلحة.
فعلى امتداد التاريخ البشري، كان تأثير الحروب على مسار العلم واضحًا وجليًا. فبعض الحروب في الزمن القديم أدت إلى حرق أمهات الكتب، وإغراقها في الأنهار، وتدمير مكتبات كبرى. كما أدت في الزمن الحديث إلى تدمير مؤسسات علمية كبيرة ومراكز بحثية عريقة، وإلى تعطيل برامج علمية كانت تسهم في دفع عجلة التقدم الإنساني، وتحويل مخصصاتها المالية إلى العمليات العسكرية. أيضًا تسببت الحروب في هجرة كثيرًا من العلماء بحثًا عن بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا كما حدث أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية من هجرة معظم العلماء الألمان إلى دول أخرى وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى انتقال مراكز الثقل العلمي في تخصصاتهم من ألمانيا إلى مناطق أخرى في العالم. وفي معظم الأحيان، تؤدي الحروب إلى إعادة تخصيص الموارد المالية نحو مجالات بحثية معينة، خاصة مجالات الأبحاث العسكرية والتكنولوجية المرتبطة بالأمن والدفاع، وذلك على حساب العلوم الهامة التي تسهم في تطور البشرية مثل العلوم الأساسية والطبية والهندسية.
وفي عصرنا الحالي تؤدي الحروب إلى تدمير البنية التحتية البحثية وتؤثر على مسار البحث العلمي بشدة. فالمختبرات والمعاهد العلمية والجامعات غالبا ما تصبح أهدافًا في المعارك المسلحة سواء كان ذلك عن عمد أو بدونه. ومع تدمير البنية التحتية تحت وطأة نيران الحرب، تتوقف العديد من المشروعات البحثية الجارية، وتضيع سنوات طويلة من الجهد البحثي، ويصبح من المستحيل استئناف الأنشطة البحثية بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل بداية الحرب.
وغالبًا ما تقوم الدول المنتصرة بفرض عقوبات اقتصادية أو قيود جيوسياسية على الدول المهزومة أو ذات الموقف الأضعف في الحرب، وهو ما يلقي بظلاله على مسار التعاون العلمي الدولي. فمنذ بداية القرن العشرين، أصبح البحث العلمي قائمًا في جانب كبير منه على الشراكات الدولية وتبادل الخبرات والمعلومات، وعلى مشاركة الباحثين في المؤتمرات والمشروعات البحثية المشتركة. وعندما تفرض العزلة على دولة ما، فسوف يؤدي ذلك إلى تعطل وتيرة التعاون العلمي بينها وبين المجتمع الأكاديمي الدولي، وبالتالي يؤثر على قدرتها في الوصول إلى الموارد العلمية والتكنولوجية المطلوبة لاستكمال المشاريع البحثية.
الحروب أيضا تتسبب في إعادة توجيه أولويات البحث العلمي في العالم كله، ففي ظل الصراعات العسكرية، تميل الدول إلى زيادة الإنفاق على الأبحاث ذات الطابع الأمني والدفاعي العسكري، مثل التقنيات المتقدمة في مجالات الطاقة النووية وإنتاج الأسلحة. وفي المقابل، قد تتراجع الاستثمارات في مجالات علمية أخرى، مثل العلوم الإنسانية أو الأبحاث الأساسية في مجالات العلوم والطب والهندسة، والتي تعد في الظروف العادية حجر الأساس للتقدم العلمي المستدام.
والحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران جاءت لتؤكد كل هذه التأثيرات السلبية على البحث العلمي، وظهرت تساؤلات عديدة حول انعكاسات تدمير البنية التحتية على البحث العلمي في المنطقة والعالم. فإيران تعتبر من الدول التي حققت تقدمًا ملحوظًا في عدد من المجالات العلمية خلال العقود الماضية، وأسهم علماؤها وباحثوها في إنتاج معرفي مهم على المستوى الدولي، خاصة في مجالات الفيزياء والطاقة والهندسة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات العلمية. وبالتالي فأن الحرب الجارية أثرت تأثيرا كبيرا على مسار البحث العلمي داخل إيران وخارجها، حيث أدت العمليات العسكرية في إيران التي تمت في يونيو 2025 ومارس 2026 إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية البحثية، وتم استهداف بعض المختبرات أو المراكز العلمية المتقدمة، وتم فرض عقوبات اقتصادية وتكنولوجية مشددة يمكن أن تؤدي إلى تقليص فرص التعاون بين الباحثين الإيرانيين ونظرائهم في الجامعات والمراكز البحثية العالمية، وهو ما قد ينعكس على حجم الإنتاج العلمي المشترك وعلى انتشار الأبحاث الإيرانية في المجلات العلمية الدولية.
وسوف يتأثر مسار البحث العلمي في العالم أيضا بسبب هذه الحرب بصور مباشرة وغير مباشرة. مصر مثلا ستتأثر بصورة غير مباشرة بسبب التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب وتأثيراتها على سعر العملة وتعطل سلاسل الإمداد على المستوى الدولي. فعلى الرغم من أن المنظومة البحثية في مصر منظومة مستقرة وترتبط في الأساس بأولويات التنمية الوطنية وبالخطط الاستراتيجية للدولة في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي، ولكن أي توترات إقليمية يكون لها انعكاسات غير مباشرة على مستوى التمويل الدولي للمشروعات البحثية، وكذلك على فرص التعاون العلمي الدولي، وعلى حركة التبادل الأكاديمي بين الجامعات في العالم، وعلى فرص إقامة المؤتمرات والمنتديات العلمية.
أما الجانب المضيء بالنسبة لمصر في هذه الظروف، فيتمثل في أنها فرصة كبيرة لتعزيز دور الجامعات المصرية كمراكز علمية لدولة مستقرة في منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تشهد معظم التوترات الدولية. فمصر التي تجعل السلام خيارها الأول وتبتعد عن الدخول في صراعات عسكرية إلا إذا اضطرت، وهي في ذات الوقت تمتلك بنية جامعية وبحثية كبيرة، تضم عددًا كبيرًا من الجامعات والمراكز البحثية والعلماء، وهي كلها عوامل يمكن أن تسهم في جذب مزيد من التعاون العلمي الدولي بين الباحثين المصريين ونظرائهم حول العالم، وكذلك استقطاب الباحثين الراغبين في العمل ضمن بيئة علمية مستقرة نسبيًا.
في النهاية، نؤكد أن الحروب كانت وستظل وبالا على البشرية وعلى مسيرة التنمية والعلم، v البحث العلمي وبناء مستقبل أكثر إشراقًا للبشرية.







