مقالات كبار الكتاب

أد. محمود السعيد يكتب .. استراتيجية وطنية لتعزيز ترشيد الإنفاق

بقلم أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

من المتوقع أن تنتهي الحرب الحالية في إيران قريبًا إذا سارت الأمور في مسارها الطبيعي، والتزمت أطراف الصراع باتفاقات وقف إطلاق النار. وخلال فترة التوترات وتصاعدها، اتخذت الدولة المصرية عددًا من الإجراءات المهمة لترشيد الإنفاق، من بينها تقليص الاستهلاك الحكومي، وتطبيق نظام العمل عن بُعد ليوم واحد أسبوعيًا في بعض القطاعات، إلى جانب تنظيم مواعيد غلق المحال التجارية في وقت مبكر نسبيًا لتغلق في التاسعة مساء، بهدف خفض استهلاك الطاقة.

غير أن هذه الإجراءات يجب ألا تتم على أساس أنها تدابير مؤقتة لمواجهة أزمة عابرة، بل يجب أن تتحول إلى سياسة اقتصادية مستدامة تقوم على ترشيد الاستهلاك وتعظيم كفاءة استخدام الموارد.

فالمتابع لأنماط الاستهلاك في المجتمع المصري منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى هذه الأيام، يلحظ وجود ممارسات غير رشيدة تؤدي إلى إهدار موارد محدودة، خاصة في مجالات الكهرباء والمحروقات والمياه. بل إن الأمر يتجاوز ذلك في بعض الحالات ليصل إلى سوء استخدام سلع مدعومة، مثل رغيف الخبز، الذي يُفترض أن يوجه للاستهلاك الآدمي، لكنه يُستخدم أحيانًا كعلف للماشية والدواجن لكونه أقل تكلفة من البدائل الأخرى، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في منظومة الاستهلاك.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لترشيد الاستهلاك، ترتكز على محورين رئيسيين:
الأول، نشر الوعي المجتمعي بثقافة الترشيد، من خلال التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية.
والثاني، تبني سياسات حكومية حازمة تعزز كفاءة استخدام الموارد وتحد من الهدر.

ويجب أن تشارك في تنفيذ هذه الاستراتيجية مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك وزارات البترول والكهرباء والتموين والتربية والتعليم والتعليم العالي والشباب، إلى جانب التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، وبدعم من الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية في ترسيخ القيم الداعية للاعتدال وعدم الإسراف.

ولا يمكن إغفال أن مصر تُعد من الدول ذات معدلات الادخار المنخفضة، حيث يدور المعدل حول 5% في السنوات الأخيرة، وهو أقل بكثير من المتوسطات العالمية. ويرتبط هذا الانخفاض بعدة عوامل، في منها بالطبع الضغوط التضخمية التي أضعفت القدرة الشرائية وخفّضت الدخل الحقيقي، غير أن نمط الاستهلاك غير الرشيد يظل أحد العوامل المؤثرة بصورة قوية.

إن ترشيد الاستهلاك لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تفرضها التحديات الاقتصادية، ويتطلب تحقيقه تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية، بما يسهم في تحسين كفاءة الاقتصاد، ورفع معدلات الادخار، وتعزيز مسار التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى