مقالات كبار الكتاب

د. محمود السعيد يكتب .. مؤتمر جامعة ستانفورد للذكاء الاصطناعي

بقلم د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

في سابقة لافتة في مجال البحث العلمي، قام فريق بحثي من جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، في أكتوبر الماضي، بتنظيم أول مؤتمر علمي أكاديمي تُستخدم فيه أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها مشاركًا في تأليف البحوث، وكذلك الاعتماد عليها في مراجعة المقالات العلمية، وحمل المؤتمر اسم «وكلاء الذكاء الاصطناعي من أجل العلم 2025». وقد مثّل هذا المؤتمر تجربة جديدة وغير مألوفة في الأوساط الأكاديمية، حيث فتح الباب أمام تقديم أوراق بحثية من مختلف فروع العلوم، بشرط أن يُسهم الذكاء الاصطناعي بالجزء الأكبر من العمل البحثي. وكان الهدف الأصيل من هذه التجربة هو تقييم مدى التقدم الذي يمكن إحرازه في البحث العلمي إذا اعتمد الباحث على وكلاء الذكاء الاصطناعي – وهي مجموعة من التطبيقات الذكية، من بينها «شات جي بي تي» على سبيل المثال – في إنجاز البحث.

وقد أعادت هذه التجربة إلى المجتمع الأكاديمي سؤالًا خلافيًا ما زلنا عاجزين عن حسمه حتى الآن، وهو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الباحث الإنساني في إنجاز البحوث العلمية؟ أم أنه يجب أن يظل مجرد أداة مساعدة تعزز قدرات الباحث، دون أن تحل محله أو تستبدل دوره المحوري؟

اعتمدت جميع الأبحاث المقدمة للمؤتمر على ما يُعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي»، وهي أدوات وأنظمة ذكية تجمع بين نماذج لغوية ضخمة وأدوات تحليل وقواعد بيانات متنوعة، لتقوم بإنجاز مراحل البحث المختلفة، بدءًا من صياغة فرضيات الدراسة، مرورًا بتحليل البيانات، ووصولًا إلى كتابة المسودة الأولية للبحث، والتي يعتمد عليها الباحث لاحقًا في إعداد النسخة النهائية. واشترط المؤتمر أن يوضح كل بحث بدقة حدود دور الباحثين ودور الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة من مراحل البحث.

ولم يكتفِ منظمو المؤتمر بذلك، بل قاموا أيضًا بإجراء جولة أولى من مراجعات الأبحاث المقدمة باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي، قبل أن يتدخل المراجعون البشر لتقييم الأبحاث واختيار الأفضل منها. ومن أصل 314 بحثًا تم استقبالها في المؤتمر، جرى في النهاية اختيار 48 ورقة بحثية فقط.

ويؤكد الواقع أن معظم المجلات والمؤتمرات العلمية لا تزال تحظر الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إجراء البحوث وكتابتها، وكذلك في عمليات التحكيم العلمي، وذلك خوفًا من ظاهرة «الهلوسة العلمية» أو الأخطاء التي قد يقع فيها الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن صعوبة الفصل الدقيق بين دور الباحث ودور الوكيل الذكي في إنجاز البحث. غير أن التمسك بهذه السياسات، على الرغم من وجاهتها، يجعل من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – على المجتمع الأكاديمي تقييم القدرات والإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي.

ومن هنا تبرز أهمية هذا المؤتمر الذي عُقد في جامعة ستانفورد العريقة، بوصفه تجربة عملية لدراسة هذه الإمكانيات والقدرات، حيث أُتيحت خلال أعمال المؤتمر جميع الأبحاث وتقارير التحكيم للجمهور، بهدف الاطلاع والدراسة والنقد والتعلم.
وقد شملت الأبحاث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي عُرضت في المؤتمر، مجالات علمية متعددة، من بينها الاقتصاد وعلم الأحياء والهندسة. فعلى سبيل المثال، في مجال الاقتصاد، استعانت الخبيرة الاقتصادية مين مين فونغ من جامعة كاليفورنيا – بيركلي بالذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات سحب السيارات أو قطرها في مدينة سان فرانسيسكو، وهي العملية التي يتم فيها نقل سيارة متعطلة أو متوقفة بشكل خاطئ باستخدام شاحنات مخصصة. وتوصلت الدراسة إلى أن تخفيض رسوم السحب المرتفعة التي تفرضها سلطات الولاية قد يساعد أصحاب الدخل المحدود على الاحتفاظ بسياراتهم وإصلاحها، بدلًا من التخلي عنها بسبب عدم قدرتهم على سداد غرامات السحب.

وأكد مؤلفو هذا البحث أن الذكاء الاصطناعي كان عاملًا مساعدًا مهمًا في تسريع العمليات الحسابية، غير أن الاعتماد عليه دون التحقق من المعلومات وبأسلوب غير نقدي قد يؤدي إلى أخطاء علمية جسيمة. فقد كرر الوكيل الذكي تاريخًا خاطئًا لدخول أحد القوانين الخاصة بسحب السيارات حيز التنفيذ، ولم يُكتشف الخطأ إلا بعد الرجوع إلى المصدر الأصلي للمعلومة. ويؤكد هذا المثال أن العمل العلمي الرصين لا يمكن أن يُبنى على التطبيقات الذكية بصورة حصرية، بل إن العنصر البشري يظل الأصل والأساس لأي بحث علمي سليم.

ومن جهة أخرى، أشار منظمو المؤتمر إلى أن كثيرًا من الأبحاث التي جرى تقييمها كانت صحيحة من الناحية التقنية، لكنها افتقرت في أحيان كثيرة إلى القيمة العلمية المضافة والعمق البحثي، وهو ما يعزز قناعة عدد كبير من الباحثين بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تزال غير قادرة، إلى حد كبير، على صياغة أسئلة علمية متينة، وتعاني ضعفًا في الرؤية البحثية. ومع ذلك، فقد أسهم الوكلاء الأذكياء في اقتراح أفكار بحثية متميزة للباحثين، من بينها بحث مرتبط بسوق العمل، جاء ضمن أفضل ثلاثة أبحاث في المؤتمر.

وتخلص هذه التجربة الثرية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات كبيرة في تسريع وتيرة البحث العلمي، وتنظيم البيانات، واقتراح مسارات بحثية جديدة، لكنه حتى الآن لا يمتلك الحس النقدي، ولا القدرة على تحديد ما هو مهم حقًا من الناحية العلمية أو التطبيقية. ولذلك سيظل الإنسان هو الأساس في عملية البحث العلمي، والعقل المدبر لها، وصاحب السؤال البحثي ذي الجدوى والمنفعة، والحكم الأخير على النتائج. أما الذكاء الاصطناعي، فسيبقى – لسنوات طويلة قادمة – أداة قوية وفاعلة في يد الباحث، لا بديلًا عنه، ولا يمكن في الوقت نفسه التقليل من أهميتها ودورها المتنامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى