اتفاق إسرائيلي ـ لبناني برعاية أمريكية.. هل يبدأ طريق السلام أم يؤجل الانفجار؟
كتب جودة عبد الصادق إبراهيم
في خطوة وصفت بأنها قد تمهد لإنهاء عقود من الصراع المسلح، وقعت إسرائيل ولبنان، اتفاقية إطارية في العاصمة الأمريكية واشنطن، برعاية الولايات المتحدة، وسط مراقبة مباشرة من الجيش الأمريكي الذي سيتولى متابعة تنفيذ الاتفاق وتدريب الجيش اللبناني وتعزيز قدراته.
وبحسب ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت العبرية”، فإن الاتفاق يحدد خارطة طريق نحو اتفاق سلام مستقبلي بين البلدين، إلا أن نجاحه لا يزال مرهونًا بجملة من العوامل، أبرزها موقف حزب الله، الذي أعلن رفضه للمفاوضات وللاتفاق، إلى جانب غموض الجدول الزمني للتنفيذ وحدود المناطق التي سينسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
مراقبة أمريكية مباشرة
على خلاف اتفاق نوفمبر 2024، ستخضع الاتفاقية الجديدة لإشراف مباشر من الجيش الأمريكي، الذي سيشارك أيضًا في تدريب الجيش اللبناني ورفع جاهزيته العسكرية، وهو ما تعتبره مصادر إسرائيلية عاملًا يزيد من فرص نجاح الاتفاق مقارنة بالمحاولة السابقة.
وكانت اتفاقية 2024 قد شهدت إنشاء مقر إشرافي ضم مسؤولين أمريكيين وفرنسيين ولبنانيين وإسرائيليين، إلا أن الاتفاق الجديد يمنح الولايات المتحدة دورًا أكثر فاعلية في التنفيذ والمتابعة.
نص الاتفاق
أكدت الوثيقة المنشورة من البيت الأبيض أن إسرائيل لا تمتلك أي مطامع إقليمية داخل الأراضي اللبنانية، وأن وجودها العسكري الحالي يقتصر على إزالة التهديدات التي يمثلها حزب الله والتنظيمات المسلحة الأخرى.
ورغم أن الاتفاق يعكس عمليًا رفض تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ إيرانية، فإنه لم يأت على ذكر إيران بالاسم، واكتفى بالتأكيد على أن الحكومة اللبنانية ترفض أي ادعاءات من أي دولة باستخدام القوة باسمها.
ويتكون الاتفاق من 14 مادة، تبدأ بتأكيد حق كل من إسرائيل ولبنان في الوجود بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمان كدولتين متجاورتين تتمتعان بالسيادة.
كما ينص على تنفيذ عملية متبادلة وتدريجية، تستعيد بموجبها القوات المسلحة اللبنانية سيادتها الكاملة على الأراضي اللبنانية، مقابل نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية، بما يسمح للجيش الإسرائيلي بإعادة نشر قواته تدريجيًا خارج الأراضي اللبنانية.
وينص الاتفاق كذلك على أن الجيش اللبناني سيتولى تدريجيًا المسؤولية الأمنية الكاملة داخل مناطق تجريبية، ستكون أساسًا لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي بصورة تدريجية وموثقة.
وتؤكد بنود الاتفاق التزام لبنان باستعادة سيادته الكاملة ونزع سلاح الجماعات المسلحة، فيما توضح إسرائيل أن عملياتها العسكرية جاءت نتيجة مباشرة لهجمات وتهديدات حزب الله والتنظيمات المسلحة، مشيرة إلى أن إزالة هذا التهديد ستنهي الحاجة لأي وجود عسكري إسرائيلي مستقبلي داخل لبنان.
كما يرفض الاتفاق أي دور عسكري أو أمني لأي دولة أو جهة غير حكومية داخل لبنان دون تفويض رسمي، ويعتبر أي ادعاء من هذا النوع مخالفًا للقانون اللبناني ولمصالح الدولة.
وينص أيضًا على إنشاء فريق تنسيق عسكري ثلاثي يضم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة لضمان تنفيذ الاتفاق.
دعم اقتصادي وإعادة إعمار
يتعهد الاتفاق بحشد الولايات المتحدة وشركائها الدوليين لدعم الحكومة اللبنانية في إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد وخلق فرص للنمو.
كما تلتزم الولايات المتحدة ولبنان بمنع وصول أي تمويل إلى الجماعات المسلحة أو الكيانات المرتبطة بها، مع تعهد الحكومة اللبنانية بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى تلك الجهات.
الأهمية السياسية
تؤكد الصحيفة أن الوثيقة ليست اتفاق سلام نهائيًا، وإنما اتفاقية إطارية ترسم المبادئ الأساسية لاتفاق سلام مستقبلي.
وللمرة الأولى، يلتزم لبنان في وثيقة دولية بالحل الكامل لجميع التنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة، فيما تعلن إسرائيل رسميًا أنها لا تمتلك أي مطالبات إقليمية داخل لبنان، وأن انسحابها مرتبط بزوال تهديد حزب الله.
كما يعلن الطرفان رغبتهما في إنهاء حالة الحرب رسميًا والتوجه نحو علاقات سلمية وحسن جوار.
آلية التنفيذ
يتضمن الاتفاق ملحقًا عسكريًا غير منشور يحدد تفاصيل التنفيذ، ويشمل التزامًا لبنانيًا بالبحث عن رفات المفقودين، وهو بند أصرت عليه إسرائيل بسبب قضية رون أراد.
كما سيتم تشكيل فرق عمل لمواصلة المفاوضات وصولًا إلى اتفاق شامل للسلام والأمن، مع تعهد لبنان بوقف أي إجراءات قانونية أو سياسية ضد إسرائيل في المنظمات الدولية.
ورغم ذلك، لا يزال الجدول الزمني للتنفيذ غير واضح، كما لم تحدد بدقة المناطق التجريبية التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
مناطق الانسحاب
بحسب مصادر إسرائيلية، سيواصل الجيش الإسرائيلي تمركزه على الخط الأصفر في المرحلة الحالية، ولن ينسحب من منطقة بوفورت، كما لن يسمح بعودة السكان اللبنانيين إليها.
ويلتزم الجيش اللبناني بتفكيك البنية التحتية التابعة لحزب الله داخل المناطق التجريبية، وإذا نجحت العملية وفق الرؤية الإسرائيلية، فسيجري توسيع نطاق الانسحاب ليشمل مناطق إضافية.
ومن المقرر أن يشمل الانسحاب مناطق تقع شمال نهر الليطاني وشمال الخط الأصفر، إضافة إلى بعض المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي مؤخرًا خارج الخط الأصفر، والتي تعتبرها إسرائيل ورقة تفاوضية.
وفي حال نجح الجيش اللبناني في فرض السيطرة على مناطق منزوعة السلاح وخالية من عناصر حزب الله، فسينسحب الجيش الإسرائيلي أيضًا من المناطق الواقعة بمحاذاة الخط الأصفر.
الحافز الاقتصادي
أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستقدم للبنان مساعدات بقيمة 130 مليون دولار، تشمل 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية عاجلة بالتنسيق مع الأمم المتحدة، إضافة إلى أكثر من 30 مليون دولار لدعم قدرات الجيش اللبناني وتعزيز سيادته على كامل الأراضي اللبنانية.
وأكد روبيو أن واشنطن تشيد بشجاعة الحكومتين في اتخاذ خطوات تهدف إلى كسر دائرة العنف وتحقيق سلام دائم.
الآلية الثلاثية
ينص الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق عسكري ثلاثية تضم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة لتسهيل تنفيذ الاتفاق.
إلا أن الصحيفة تشير إلى أن هذه ليست المحاولة الأولى لإنشاء آلية دولية لنزع سلاح جنوب لبنان، معتبرة أن الجيش اللبناني، رغم الدعم الأمريكي، لا يزال ضعيفًا وغير مستعد للدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله.
وترى الصحيفة أن الاتفاق يبدو أقوى من سابقه بسبب الالتزام الأمريكي الأكثر وضوحًا، لكنها تشير أيضًا إلى أن إدارة ماركو روبيو ربما استعجلت إعلان الإنجاز دون حسم جميع التفاصيل، خاصة في ظل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومحاولة واشنطن إظهار قدرتها على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان.
ردود الفعل اللبنانية
أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن الاتفاق يهدف إلى انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية واستعادة سيادة الدولة.
كما أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن شكره للولايات المتحدة على استضافة ورعاية المفاوضات ودعمها للموقف اللبناني، مشيدًا بالدول التي واكبت المفاوضات وبالفريق اللبناني، واصفًا الاتفاق بأنه الخطوة الأولى نحو جني ثمار تضحيات اللبنانيين وعودة المواطنين إلى أراضيهم.
الموقف الإسرائيلي
وصف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه “إنجاز عظيم لدولة إسرائيل”، مؤكدًا أن المفاوضات الطويلة في واشنطن أثمرت نتائج مهمة.
وقال إن الأهم يتمثل في بقاء إسرائيل داخل المنطقة الأمنية جنوب لبنان، مضيفًا أن هذا الوضع سيستمر ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه ويشكل تهديدًا لإسرائيل.
واعتبر نتنياهو أن الاتفاق يمثل ضربة قوية لإيران، مؤكدًا أن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة أوصلوا رسالة واضحة لطهران بأنه لا دور لها في لبنان، ولا لحزب الله .
وأوضح أن الاتفاق ينص على إنشاء منطقتين تجريبيتين، إحداهما جنوب نهر الليطاني خارج المنطقة الأمنية، والأخرى شمال الليطاني، مع استمرار إسرائيل في الحفاظ على المنطقة الأمنية الأصلية ومنع دخول حزب الله أو السكان إليها، مؤكدًا أن أمن إسرائيل يبقى الأولوية.
رفض حزب الله
حتى الآن، لم يصدر حزب الله موقفًا رسميًا من الاتفاق، إلا أن النائب حسن فضل الله، ممثل الحزب، أعلن رفضه الكامل للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، محذرًا من أن المسار السياسي والأمني الحالي يقوض سيادة لبنان ويهدد وحدته الداخلية.
ودعا السلطات اللبنانية إلى التخلي عن مسار المفاوضات والقرارات التي اتخذتها، فيما نقلت شبكة “الميادين” تصريحات إضافية له قال فيها إن نتنياهو “تفاوض مع نفسه”، معتبرًا أن السلطة اللبنانية الحالية تفتقر إلى الشرعية الدستورية ولا تملك القدرة على فرض الاتفاق أو تنفيذه.
وأضاف أن العامل الحاسم هو السيطرة على الأرض، مؤكدًا أن حزب الله ما زال يملك النفوذ الميداني، وأن موقف إيران واضح بعدم توقيع أي اتفاق قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية قدمت هدية لإسرائيل من خلال الاتفاق.







