مقالات كبار الكتاب

محمود السعيد يكتب .. مؤشرات لتراجع التأييد الغربي لإسرائيل

كتب محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

منذ صدور قرار الأمم المتحدة عام 1948 بتقسيم فلسطين، اعتمدت إسرائيل دائما على كسب التأييد الشعبي للغرب، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بالاعتماد على قوة الدعاية الإعلامية التي يمتلك معظم منصاتها شخصيات موالية لإسرائيل، وكذلك الدعم الذي يقدمه بعض أصحاب النفوذ واللوبيات المؤيدة لها في الغرب. وعلى مدار ما يقرب من ثمانين عامًا، ظل الرأي العام الغربي منحازًا إلى جانب إسرائيل في معظم المحطات التاريخية، مع استثناءات محدودة جدًا، كان يمكن إدانة إسرائيل فيها لولا استخدام الولايات المتحدة لحق الفيتو في مجلس الأمن.

في رأيي أن هذا الدعم الغربي هو أحد أهم مكاسب إسرائيل الاستراتيجية في صراعها مع العرب منذ 1948، لكن التطورات الأخيرة المرتبطة بسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المنطقة، خصوصا بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، تشير إلى تحول ملحوظ في اتجاهات الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل، حيث تظهر استطلاعات الرأي تراجع التعاطف الشعبي الغربي معها، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. ويمكن أن يفسر ذلك جزئيًا إلى تراجع قوة تأثير الدعاية الإعلامية التقليدية، وظهور أجيال جديدة تعتمد على مصادر معلومات بديلة، بعيدًا عن الخطاب الإعلامي التقليدي الذي كان دائما ولا يزال في أغلبه مؤيدًا لإسرائيل.

على سبيل المثال لا الحصر، أظهر استطلاع رأي حديث أجراه مركز “بيو” الأمريكي للأبحاث في مارس 2026 أن نحو 60% من الأمريكيين ينظرون الآن إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقارنة بـ 53% في العام السابق. هذا الاتجاه التصاعدي في النظرة السلبية للأمريكان تجاه إسرائيل يعكس تزايدًا ملحوظًا في الاتجاهات الشعبية الناقدة لسياساتها. ونفس الاستطلاع يظهر تراجع ثقة الأمريكيين في رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، حيث أعرب 59% من المشاركين في الاستطلاع عن عدم ثقتهم في قدرته على اتخاذ قرارات صائبة في الشؤون الدولية.

ويبدو أن الأجيال الجديدة من المواطنين الأمريكان المنتمين للحزب الديمقراطي هم الأكثر امتعاضًا من سياسات إسرائيل، حيث تكشف نتائج الاستطلاع عن انقسام واضح في الرأي وفق متغيرين رئيسيين وهما الانتماء الحزبي والعمر، فترتفع نسبة الآراء السلبية بين الديمقراطيين، خاصة من هم دون سن الخمسين، بينما لا يزال الجمهوريون أكثر ميلًا إلى تبني مواقف إيجابية تجاه إسرائيل، وإن كانت نتائج الاستطلاع تكشف أن الاتجاهات السلبية حتى بين الجمهوريين في تزايد، لا سيما بين الفئات الأصغر سنًا.

كما تظهر نتائج الاستطلاع أن هناك فوارق واضحة في التعاطف مع إسرائيل بين المجموعات الدينية، حيث إن أغلبية اليهود الأمريكيين والبروتستانت الإنجيليين البيض لديهم نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، في حين أن أغلبية باقي فئات الشعب الأمريكي لديها نظرة سلبية تجاهها.

أما فيما يتعلق بثقة الأمريكيين في رئيس الوزراء نتنياهو، فتشير نتائج الاستبيان إلى أن غالبيتهم لا يثقون في أدائه على الساحة الدولية، مع تزايد نسبتهم هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة. تأثير العمر والانتماء الحزبي يبدو واضحًا أيضًا في مسألة الثقة في نتنياهو، حيث تنخفض الثقة بشكل كبير بين الديمقراطيين في كافة الأعمار، بينما تتباين آراء الجمهوريين بحسب الفئات العمرية. كما يظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف الأمريكيين لا يثقون في قدرة الرئيس دونالد ترامب على إدارة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بشكل فعّال، على الرغم من أن الجمهوريين يبدون ثقة أكبر في هذا الملف مقارنة بالديمقراطيين.
هذه المؤشرات الإحصائية التي أظهرها الاستطلاع تبرز تحولًا تدريجيًا في المزاج العام الغربي تجاه إسرائيل، وهو تحول قد تكون له تداعيات مهمة على مستوى الدعم السياسي والاستراتيجي الذي طالما تمتعت به. ولكن يبقى السؤال الهام مطروحًا وهو: هل هذا التحول الغربي في مستوى الدعم الشعبي لإسرائيل هو توجه مؤقت بفعل أحداث طارئة وسياسات طائشة، أم أننا سنشهد خلال السنوات القادمة مزيدا من تدهور مؤشرات التعاطف الشعبي الغربي مع إسرائيل؟ بناء على أتجاه المؤشرات خلال السنوات الأخيرة، فمن المنطقي أن يتوقع المرء استمرار تدهور شعبية إسرائيل، وربما تصاعد التعاطف مع قضايا سياسية وإنسانية لم يكن من المتصور أن يتعاطف معها الغرب في الماضي البعيد أو القريب مثل القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى