بقلم الكاتب الصحفي رفعت فياض
بعد أن طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي أن نبدأ من الآن في إعداد خريطة جديدة للتعليم الجامعي في مصر، تركز على التخصصات التطبيقية التي يحتاجها المجتمع بالفعل، ويحتاجها سوق العمل سواء المحلي أو العربي أو الخارجي، والتقليل من التخصصات النظرية بعد أن تكدست كليات الدراسات الإنسانية بأعداد ضخمة من هذه التخصصات، وأصبحت سببًا رئيسيًا في زيادة حجم البطالة في مصر، خاصة بعد أن ثبت بدراسة علمية لوزارة التعليم العالي ذاتها أن 82% من طلاب الثانوية العامة بشعبها المختلفة يلتحقون حاليًا بكليات الدراسات الإنسانية، خاصة التجارة والآداب والحقوق والتربية والخدمة الاجتماعية؛ فمن يفشل من طلاب الشعبة العلمية بالثانوية العامة في الالتحاق بمجموعة الكليات الطبية يهرب إلى الكليات النظرية، ومن يفشل من طلاب شعبة الرياضيات بقطاع كليات الهندسة والحاسبات وغيرها يهرب إلى الكليات النظرية.
وقد زاد من تفاقم هذه الأزمة استمرار الأخذ بشكل سيئ من التعليم الجامعي بهذه الكليات النظرية اسمه “الانتساب الموجه”، والذي تحول إلى “سُبَّة” (بضم السين وتشديد الباء) في جبين التعليم الجامعي. نعم، لقد تحول ما يسمى بالانتساب الموجه هذا بالكليات النظرية بالجامعات -والذي نشأ في الأصل ليكون الالتحاق به قاصرًا على الموظفين فقط الذين لم يتمكنوا من استكمال تعليمهم الجامعي بعد الحصول على الثانوية العامة- تحول رويدًا رويدًا ليكون متاحًا لطلاب الثانوية العامة أيضًا وفي نفس سنة حصولهم على هذه الشهادة وبمجموع أقل، ودون الالتزام بحضور أي محاضرات أو “سكاشن”، ودون إلزام الملتحقين بهذا الشكل من التعليم بتحصيل أي درجات أعمال سنة أو حضور وغياب وخلافه، مثلما هو الحال بالنسبة للطلاب المنتظمين، وأصبح الالتزام الوحيد على الطلاب الملتحقين بهذا الشكل من التعليم في الانتساب الموجه هو حضور امتحانات نهاية العام فقط لأداء الامتحانات.
نعم، تحول ما يسمى بالانتساب الموجه إلى ما يشبه السبة في جبين التعليم العالي في مصر بعد أن أصبح بابًا خلفيًا للالتحاق بالجامعات بهدف الحصول على مجرد شهادة ورقية فقط من الكلية التي يكون الطالب قد فشل في الالتحاق بها كطالب منتظم نظرًا لتدني مجموعه في الثانوية العامة، وأصبح الالتحاق به يتم بحد أدنى في المجموع أقل من الحد الأدنى للقبول بنفس الكلية الذي يتم التحاق الطلاب المنتظمين بها، ودون إلزام طلاب الانتساب الموجه بحضور أي محاضرات، وقد يتم في أحسن الأحوال في بعض الكليات تدبير محاضرات مجمعة لطلاب الانتساب مرة كل أسبوع لمن يريد، والنتيجة طبعًا معروفة وهي أن المستوى الأكاديمي لطلاب الانتساب الموجه هذا يكون أضعف بكثير من طلاب الانتظام، بل إن كثيرًا من الطلاب غير الراغبين في التعليم أصبحوا يفضلون الالتحاق بهذا الشكل من التعليم في الانتساب الموجه حتى يتفرغوا للهو والسهر على المقاهي كل يوم والاستيقاظ في أوقات متأخرة من اليوم، حيث إنه غير مطالب بحضور أي محاضرة من محاضرات الكلية المنتسب إليها.
وتحول هذا الشكل من التعليم إلى ما يشبه طوق نجاة لوزراء التعليم العالي جميعًا، حيث كان كل وزير يخرج بعد إعلان نتيجة الثانوية العامة ليدغدغ مشاعر الطلاب الناجحين وأولياء أمورهم، مؤكدًا أن هناك مكانًا بالجامعات لكل طالب من الناجحين في الثانوية العامة، وبعد أن يتم تحديد أعداد المقبولين بالكليات العملية بأعداد تصل إلى ضعف طاقتها، يأتي دور تحديد الأعداد بالكليات النظرية ليتم فيها أيضًا حشر عشرات الآلاف من الطلاب دون مراعاة قدرة استيعاب هذه الكليات لكل هذه الأعداد، ودون وجود دراسة علمية واحدة في مصر حتى الآن تحدد مدى احتياجاتنا من نوعيات الخريجين في مختلف الكليات في السنوات العشر القادمة حتى نحدد على أساسها من الآن عدد الطلاب المقبولين بكل قطاع سواء كانت الكليات التطبيقية أو الكليات النظرية؛ حتى أن عدد الطلاب الملتحقين حاليًا بكلية واحدة مثل كلية التجارة جامعة عين شمس -على سبيل المثال- وصل إلى 75 ألف طالب وطالبة، وفي كلية التجارة جامعة القاهرة وصل عدد المقبولين بها إلى 66 ألف طالب وطالبة.
وكان وما زال القبول بنظام الانتساب الموجه بهذه الكليات النظرية المختلفة بمثابة طوق النجاة لجميع وزراء التعليم العالي حتى الآن، عندما يجدوا أثناء اجتماعهم بالمجلس الأعلى للجامعات بعد إعلان نتيجة الثانوية العامة أنه بعد توزيع الأعداد المضاعفة على مختلف الكليات بمختلف أنواعها أن هناك أعدادًا أخرى كثيرة من الناجحين في الثانوية العامة لم يتم استيعابها بالجامعات، فيقرر وزراء التعليم العالي ومعهم رؤساء الجامعات طبعًا قبول النسبة الباقية -مهما كان عددها- بنظام الانتساب الموجه بالكليات الإنسانية.
وكانت هذه النسبة قد استقرت طوال سنوات طوال أن تكون في حدود 25% من إجمالي عدد الطلاب المنتظمين بهذه الكليات، معتبرين أن هذه الأعداد لن تمثل لهم مشكلة في عملية القبول بهذه الكليات لأن هؤلاء الطلاب غير مطالبين بحضور أي محاضرات، والحضور فقط أيام الامتحانات، وبالتالي تكون هذه الأعداد على الورق فقط، مع أن هناك بعض الكليات حاولت أن تنظم لمثل هذه الأعداد المنتسبة إليها بعض المحاضرات المجمعة خاصة يوم الجمعة لمن يريد، حتى جاء أحد وزراء التعليم العالي السابقين ورفع نسبة الملتحقين بمثل هذه الكليات بنظام الانتساب الموجه إلى 50% من إجمالي عدد الطلاب الملتحقين بنفس الكلية كمنتظمين، حتى يظهر أمام الرأي العام أنه تمكن من توفير مكان لكل طالب ناجح في الثانوية العامة بالجامعات وكأن هذا إنجاز بالنسبة له.
وطبعًا لن يعارض أي رئيس جامعة من الحاضرين لجلسة المجلس الأعلى ذلك، حيث تحقق الأعداد الكبيرة من طلاب الانتساب الموجه عائدًا ماديًا للجامعة، وعائدًا ضخمًا لأعضاء هيئة التدريس بهذه الكليات مقابل بيع الكتب الخاصة بهم لهذه الجموع الضخمة من الطلاب الذين لا يرون وجوههم طوال العام الدراسي، وكانت كارثة كبرى ما زلنا نعاني منها حتى الآن: خريج ضعيف، خريج لم يعش حياته الجامعية كما يجب ولم يتأثر بها، خريج لم يعرف ولم يلتقِ يومًا ما بأستاذ المادة التي يقوم بامتحانها نهاية العام، وتكون النتيجة هي الحصول على شهادة تخرج لا يوجد فرص عمل معظم الحاصلين عليها، مما تسبب في زيادة نسبة البطالة في مصر بشكل كبير جدًا، واضطر كثير من الخريجين من هذه النوعية في هذه الكليات إلى امتهان مهن لا علاقة لها بالتخصص الذي حصلوا على شهادة باسمه.
ولم تتحرك وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى سوى في العامين الأخيرين بعدما حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه من هذه الظاهرة؛ ظاهرة ضخامة أعداد الخريجين من الكليات النظرية التي أصبحت تفوق بكثير جدًا احتياجات سوق العمل، ومطالبته المستمرة بتقليل أعداد المقبولين بهذه الكليات، وأن يتم التركيز على التخصصات التطبيقية، مما حدى بالمجلس الأعلى للجامعات إلى تقليل أعداد المقبولين بهذه الكليات النظرية مؤخرًا إلى حد ما، خاصة في نظام الانتساب الموجه.
وقد آن الأوان لإلغاء هذا الشكل من التعليم الجامعي السيئ بشكل كامل، نعم أقول بشكل كامل إذا أردنا بالفعل النهوض بالتعليم الجامعي، وتقليل أعداد المقبولين بمختلف الكليات النظرية، واستحداث برامج حديثة بهذه الكليات تجمع ما بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، وأن تتفق والتخصصات الجديدة التي ظهرت في سوق العمل حتى لا نزيد من حجم البطالة في مصر أكبر من الواقع الذي نحن فيه الآن.
وهذا ما أضعه أمام اللجنة التي تم تشكيلها مؤخرًا لإعادة صياغة شكل التعليم الجامعي في مصر في أعقاب توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
refaatfayyad@yahoo.com






