مقالات كبار الكتاب

أحمد نجم يكتب .. دول القرن الإفريقي مؤامرات وأطماع دولية

بقلم أحمد نجم

في لقاء مع الصديق العزيز السفير بركات الفرا، السفير السابق لدولة فلسطين في مصر، كان الحوار بيننا يتعلق بأطماع الصهيو أمريكية في منطقتنا، ودور مصر الحيوي في مساندة القضية الفلسطينية والتصدي لأطماع الصهيو أمريكية في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران والسودان.

امتد النقاش بيننا إلى مؤامرات إسرائيل في منطقة القرن الإفريقي، وذكرت لسيادته عن مقالي السابق حول تهديد إثيوبيا بغزو إريتريا للحصول على منفذ بحري لها على البحر الأحمر، وهو التهديد الذي تغذيه إسرائيل لخلق صراع جديد في القارة ليكون مدعاة للتدخل، خاصة وأن لها تواجدًا قويًا في إريتريا.

قال لي السفير بركات الفرا إن منطقة القرن الإفريقي أرض خصبة لمؤامرات دولية، عليك بالتركيز في مقالاتك عما يحدث في هذه الدول ومحاولة إسرائيل التواجد في البحر الأحمر بعد اعترافها باستقلال جمهورية أرض الصومال.

حقيقةً كنت شغوفًا بدراسة أحوال دول القرن الإفريقي، وزاد شغفي عقب مناقشاتي مع السفير الفرا، وأيضًا عقب التهديدات التي أطلقها آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، وتهديده بعمل عسكري ضد إريتريا، حليفته السابقة في صراعه مع التيجراي، للاستيلاء على ميناء عصب الذي حصلت عليه إريتريا عقب استقلالها عن إثيوبيا، ليتسنى له الوجود البحري على البحر الأحمر، خاصة بعدما استقلت إريتريا عن إثيوبيا وأصبح ميناء عصب في نطاق سيادتها، لتصبح إثيوبيا دولة حبيسة بحريًا ليس لها منفذ بحري على البحر الأحمر، وتتعامل إثيوبيا بحريًا من خلال موانئ جيبوتي، وهو ما تناولته في مقالي السابق.

تقع دول القرن الإفريقي شرق قارة إفريقيا، وتتكون من أربع دول رئيسية هي إثيوبيا، إريتريا، الصومال، جيبوتي. ويقع الشكل الجغرافي لها على هيئة قرن حيوان (وحيد القرن)، ولهذا سميت دول القرن الإفريقي بهذا الاسم، وهي منطقة هامة جدًا كموقع جغرافي هام وجيو سياسي، تطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومدخل هام لقناة السويس.

ولأهمية موقعها كانت ولا تزال محل أطماع الصهيو أمريكية والصين بالإضافة إلى تركيا، نظرًا لأهمية موقعها الاستراتيجي الذي يتحكم في الحركة البحرية لتجارة نقل النفط والغاز، حيث حدودها الطويلة الممتدة على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.

أيضًا هي مدخل تجاري هام لقناة السويس، مما يجعلها مطمعًا لتلك الدول لتسيطر على منافذ تجارية بحرية عالمية هامة، بالإضافة للتواجد في أهم منطقة تجارية في العالم، وهو ما تسعى إليه الصهيو أمريكية في التواجد، لحماية مصالحها وتهديد أمن باقي دول المنطقة.

الصراع الدولي للتواجد في منطقة القرن الإفريقي نابع من السيطرة على الكنوز الطبيعية بأراضيها، فالصومال لديها احتياطي ضخم من اليورانيوم والنحاس والجبس والقصدير وخام الحديد، بينما يوجد في إريتريا معادن غنية مثل الذهب والنحاس والزنك، وتتميز إثيوبيا بالموارد المعدنية الكثيرة والمختلفة بالإضافة للأراضي الزراعية الخصبة والطاقة الكهرومائية.

بينما تمتلك الصومال سواحل يصل مداها لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر على البحر الأحمر، مما يجعلها مطمعًا للدول الكبرى، خاصة أمريكا والصين، للسيطرة والتواجد في المنطقة لحماية المصالح التجارية البحرية والاقتراب من باب المندب، وتسعى الصهيو أمريكية بنفوذ كبير لدحض المحاولات الصينية في التواجد والحصول على الموارد الطبيعية الخام.

وبعد المؤامرة التي شارك فيها الموساد الإسرائيلي منذ سنوات بدعم منطقة أرض الصومال لنيل الاستقلال عن الصومال الأم، وقامت بالاعتراف باستقلال جمهورية أرض الصومال، أصبح لإسرائيل يد طولى على سواحل البحر الأحمر، وتسعى لمزيد من السيطرة والتصدي لهجمات الحوثيين في اليمن، بالإضافة لكون أرض الصومال تمتلك سواحل هامة جدًا على البحر الأحمر، وعقب اعتراف إسرائيل باستقلالها أصبحت التحركات الدولية للتواجد في المنطقة أكثر مما مضى، خاصة المواجهات الأمريكية الصينية في المنطقة.

وتأتي أطماع أمريكا في دول القرن الإفريقي لمزيد من فرض النفوذ والسيطرة التامة على مضيق باب المندب من الناحية الاستراتيجية وتأمين مصالحها الحيوية البحرية، ولكونه ممرًا هامًا للملاحة البحرية في قناة السويس، بالإضافة لرغبة الصهيو أمريكية الاقتراب من مناطق الصراع في اليمن وإيران والسودان، كذلك الهدف الخفي الشرير في مساندة إثيوبيا في نواياها الخبيثة في السيطرة على المياه لتهديد الأمن المائي للسودان ومصر.

وأصبحت مصالح تلك الدول عوامل لتواجد القواعد العسكرية في دول القرن الإفريقي، حيث تحتل جيبوتي المركز الأول في عدد القواعد العسكرية الأجنبية بها، حيث بلغت 16 قاعدة عسكرية لدول كبرى تتقدمها أمريكا واليابان والصين وفرنسا، بينما تتواجد تركيا والإمارات وإسرائيل في إريتريا بدعوى حماية أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب من القراصنة.

لكن الحقيقة المؤكدة أنه صراع مصالح للدول الكبرى في التواجد في المنطقة الملاحية باعتبارها مركزًا جيوسياسيًا هامًا، وكذلك السيطرة على الموارد الطبيعية والنفط الذي تتصارع عليه أمريكا والصين، وهو الصراع الأساسي في كل المواجهات في مناطق عديدة.

الصهيو أمريكية لن تهدأ إلا بالسيطرة الكاملة على الأمن المائي في البحر الأحمر وباب المندب، وعلينا الالتفات لتلك المؤامرات الدولية التي تحاك في العلن لتهديد مصالحنا في القارة، للسيطرة على كنوزها الطبيعية، فهل ينتبه الاتحاد الإفريقي لتلك المؤامرات ويتم عقد اتفاقيات بين دول القارة لتوحيد الصف والاستفادة من كنوزنا بدلًا من أن نخضع للمؤامرات التي تهدد وتقوض مصالحنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى