بقلم دكتور صبري الغياتي
لماذا عرف العلماء القرآن الكريم بأنه : اللفظ العربي
القرآن الكريم؟
عرف العلماء القرآن الكريم بأنه: اللفظ العربي المنزل من عند الله تبارك وتعالى على النبي العربي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) بواسطة الأمين جبريل (عليه السلام) المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة من مثله.
الوقفة الثانية: وأهم ملمح في التعريف هو أن القرآن الكريم لفظ عربي، وهذا يعني عدة أمور أهمها ما يلي:
أولا: أن القرآن الكريم عربي من أول كلمة فيه إلى آخر كلمة فيه، بداية من: (بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين…..) من سورة الفاتحة إلى قوله: (من الجنة والناس) ختام سورة الناس، فليس بين دفتي المصحف الشريف لفظ غير عربي، قال تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) ســـــورة يـــــوسف، وقال تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي)، وحتى الألفاظ التي أخذت من لغات أخرى ونزل بها القرآن الكريم من مثل: (السندس والإستبرق، وغيرها) فإنها وإن كانت في الأصل غير عربية، إلا أنها دخلت في اللغة العربية وأصبحت من بناتها وأفرادها، وأصبحت لها خصائص مفردات اللغة العربية، وذلك وفق ظاهرة التعريب التي تتميز بها اللغة العربية، وعلى ذلك فلا يمكن الذهاب إلى أن في القرآن الكريم ألفاظا غير عربية خلافا لمن ذهب إلى ذلك.
ثانيا: أن معنى كون القرآن الكريم لفظ عربي، فينبغي أن ندرك خصائص اللفظ العربي ومقوماته قبل أن نتحدث في القرآن، لأننا لو لم ندرس ونتعلم خصائص العربية وألفاظها وموادها وجزورها ومقاييسها ثم أردنا أن نتحدث في القرآن، فإننا بذلك نخبط خبط عشواء، فمثلا قوله تعالى في قصة يونس عليه السلام: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين}[الأنبياء:87]، تأول كثير ممن تكلموا في القرآن أنَّ الضمير في (نَّقْدِرَ) يعود على ملك كان هو الحاكم في زمن يونس –عليه السلام- وأنه كان في هذا الوقت خمسة أنبياء، وأن هذا الملك قد كلف يونس بتبليغ أهل نينوى…..إلى آخر ما ذكر في هذا الشأن، مما لا يتفق مع النظم القرآني ولا السياق القرآني في السورة الكريمة، وقد روي أن ابن عباس – رضي الله عنه – دخل على معاوية ، فقال له معاوية: أدركني يا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد ضربتني أمواج القرآن البارحة حتى كدت أغرق. قال: وما ذاك؟ قال: قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين}، وقد فهم معاوية (رضي الله عنه) أنها من القدرة، وهذا ظن لا يصح من المؤمن فضلا عن نبي من أنبياء الله، فقال له ابن عباس (رضي الله عنه) هذا من القّدر لا من القُدرَةِ، كما قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}[الطلاق:7]
فقد فهم معاوية أن الفعل: نقدر من القدرة، ولكن ابن عباس رده إلى المعنى الصحيح وهو التضييق، وذلك راجع إلى سعة العلم باللغة من جهة وأساليب القرآن الكريم من جهة أخرى.
ثالثا: أن معنى كون القرآن الكريم لفظ عربي، فلا بد أن ندرك أيضا أن اللفظ العربي في عمومه يتميز بعدة أمور:
• منها: أنه دال بتكوينه الحرفي، وترتيب هذه الحروف داخل اللفظ، ولا تعتقد أن هذه الألفاظ جاءت هكذا بترتيبها الذي تراه أنت أمرًا عشوائيا، بل هو أمر انتقائي، فإن اللغة العربية قد رتبت حروف الكلمات حسب مخارجها وصفاتها لتكون الكلمة موحية بأصواتها حتى قبل أن تدرك أنت معناها، ولنأخذ على ذلك مثال من ألفاظ هذه اللغة الشريفة.
خذ مثلا كلمة (قلب) هذه الكلمة تتركب من ثلاثة أحرف هي القاف واللام والباء، فانظر كيف قامت اللغة بعملية انتقاء لهذه الأصوات فأدركت إيحاءات أصواتها وخصوصية صفاتها فكان تركيبها وترتيبها على هذا النحو مشعر بمعنى القلب وعمله ووظيفته في آن واحد، فالقاف حرف قوي شديد وهو يتصف حال سمونه بالقلقلة، بما يدل على حركة دائبة لا تنقطع حتى حال السكون، وتلك بعض صفات القلب الحسية، ووظائفه الحيوية، فإذا انتقلنا إلى اللام وجدنا أنها حرف السمة الغالبة فيه التميز، فمخرجه من حافة اللسان مع ما يحاذيه من الأضراس العليا والالتصاق باللثة، وحرف اللام حال خروجه نجد أنه ينحو ناحية الأضراس تاركا فراغا في الفم لخروج الصوت، وكأنه يقوم بعملية تمييز بين المخرج والصوت، فبينما يكون المخرج بالتصاق اللسان بناحية من الحنك كأنه يقسِّم الحنك قسمين: قسم للمخرج وقسم لخروج الهواء بالصوت، إذ يخرج الهواء بصوت اللام من باقي الفم، فالحرف يمتاز بعملية تمييز لا توجد مع حرف غيره من حروف اللغة وأصواتها، وهذا التمييز ملحوظ في توسط هذا الحرف لكلمة (القلب)، ثم يأتي حرف الباء الدال على اللصوق مع جهر وشدة ولا ننسى أنه يوجب الإقلاب مع النون الساكنة والتنوين، فكأنه حرف يتميز بقلب الأمور ووضعها في نصابها الصحيح مع التمسك بها، وتلك الحروف الثلاثة بهذه الخصائص وهذا الترتيب تدل على طبيعة القلب وعمله الحيوي للجسم كما تدل أيضا على أصل عمله في الفكر، فإن القلب هو مناط التمييز (لهم قلوب لا يفقهون بها)، وأول عمل له في هذا المضمار هو تقليب هذه الأفكار وعرضها واختبارها، وفي الحديث: (تعرض الفتن على القلوب كمايعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تعود القلوب على قلبين، قلب أبيض مثل الصفا ما تضره معصية ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مرباد كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا)، وبعد هذا العمل المتميز بالحركة والاضطراب والقوة يأتي اللام ليميز بين الطيب والخبيث من الأفكار والواردات على القلب، ثم تأتي الباء بعد ذلك لتفيد اللصوق والثبات على الصواب، والتمسك به مع شدة في الحق لا تلين، فليتنا نتعلم من لغة القرآن كيف نتعامل مع الأمور والمواقف، وكيف نعد لكل أمر ما يليق به، ولذلك قالوا: إن هذه اللغة الشريفة هي من تعليم الله تعالى وليست نتاجا بشريا، وليس الأمر موقوفا على كلمة قمنا بتحليلها واستكناه أسرار تكوينها الصوتي، ولكنه سمة عامة في كلمات العربية وموادها، وراجع إن شئت الحديث عن الاشتقاق الكبير والأكبر عند ابن جني، ومقاييس اللغة عند ابن فارس، لتجد أن ما ذكرته لك ليس مختصا بكلمة أو بعض كلمات من هذه اللغة الشريفة، وإنما هو عام في جميع ألفاظها.
دكتور صبري الغياتي مدير مكتب معالي الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية







