مقالات كبار الكتاب

عبدالحليم قنديل يكتب .. مجلس حرب لا مجلس سلام

بقلم عبدالحليم قنديل

لا أحد عاقل يأمل كثيرا ولا قليلا فى نتائج ترتجى من الاجتماع الأول المرتقب لما يسمى “مجلس السلام” فى “غزة” ، فالقصة المسيطرة على المشهد ولأسابيع تتلو ، هى الاستعدادات الجارية لضرب إيران ، وأجواء الذهاب إلى حرب ، إن لم تكن بدأت بالفعل ، تتناقض بالطبيعة مع إدعاءات البحث عن سلام ، وقبل اجتماع مجلس السلام إياه ، جرى عقد اجتماع مجلس الحرب بين الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ورئيس الوزراء “الإسرائيلى” “بنيامين نتنياهو”، الذى لن يحضر اجتماع مجلس السلام ، ومعنى ذلك ظاهر وبسيط ، فقوة الاحتلال المسيطرة على الأرض فى “غزة” ، لا تبدى تجاوبا بأى قدر ملموس مع ترتيبات جارية باسم تنفيذ “خطة ترامب” ومراحلها فى “غزة” ، وقد بدا ذلك فى العرقلة “الإسرائيلية” لكل الخطوات ، وترحيل استحقاقات من المرحلة الأولى إلى ما بعد إعلان الدخول فى المرحلة الثانية ، بينها ـ مثلا ـ فتح معبر “رفح” فى الاتجاهين ، أى خروج الجرحى ومرافقيهم إلى مصر ، وعودة “الغزيين” الراغبين إلى القطاع ، وبدت الإعاقات طافحة فى التفاصيل ، فالمعبر يدار شكلا بالطريقة المتفق عليها منذ عام 2005 ، بوجود مصرى وحضور أوروبى ومشاركة فلسطينية ، حتى لو انتقل ختم النسر الفلسطينى من السلطة إلى اللجنة الوطنية المتفق عليها لإدارة “غزة” ، لكن لادخول ولا خروج للفلسطينيين المعنيين إلا بعد المرور على نقطة تفتيش “إسرائيلية” ، يجرى فيها التنكيل بهم والتحقيق والاستجواب ، وسلب ما يحملون من أمتعة أو هدايا رمزية ، ويستعين الضباط والجنود “الإسرائيليين” بعملاء من جماعة المجحوم “أبو شباب” وغيرهم ، كل ذلك رغم حصول أسماء المنكل بهم على موافقة “إسرائيلية” مسبقة ، المحصلة أن الأعداد الخارجة والداخلة يجرى اختصارها إلى أدنى حد ، فقد سجل نحو 80 ألف فلسطينى أسماءهم فى قوائم الراغبين بالعودة ، وهناك أكثر من 20 ألف مصاب ومريض فلسطينى تقرر خروجهم للعلاج العاجل ، والإعاقات “الإسرائيلية” تقلص حركة العودة والعلاج ، فوق أن كيان الاحتلال يشترط تعسفيا منع عودة الخارجين من “غزة” قبل تاريخ 7 أكتوبر 2023 ، أى قبل بدء حرب الإبادة الجماعية .

ولا تخفى ـ بالطبع ـ مخالفات الكيان الفظة حتى لنصوص “خطة ترامب” ، التى تقرر حرية خروج أو عودة الفلسطينيين الراغبين دون قيود ، فقد تصور الكيان ، وتصورت معه واشنطن ، أن الهدف من فتح المعبر هو تشجيع ما يسمونه “التهجير الطوعى” للفلسطينيين ، وبنوا أوهامهم على استطلاعات رأى صنعوها بأنفسهم لأنفسهم ، استشهد بها “ترامب” فى لقائه السادس مع “نتنياهو” نهاية العام 2025 ، وزعمت أن نصف سكان “غزة” يريدون الخروج منها فورا ، وفوجئ الطرفان بإقبال الفلسطينيين على رغبة العودة حتى لو لم تكن لهم منازل ، وتحملهم لكافة صور التنكيل الإجرامى من أجل العودة لأراضيهم المقدسة ، وهو ما أثبتوه مرارا خلال حرب الإبادة ، فهم لا يريدون الخروج إلا لأغراض موقوتة كدراسة الطلاب أو العلاج ، وهو ما بدا كصدمة للأمريكيين و”الإسرائيليين” بالذات ، وكفشل مضاف لحرب الإبادة التى قتلت وجرحت ومزقت أشلاء ربع مليون فلسطينى بأقل تقدير ، وهدمت وتهدم كل سبل الإقامة فى “غزة” ، ودمرت 90% من البيوت والمدارس والمستشفيات ودور العبادة ، وجوعت ولاتزال أكثر من مليونى فلسطينى ، وأضافت أكثر من ألفى شهيد وجريح فلسطينى أغلبهم من النساء والأطفال والرضع ، قتل هؤلاء وغيرهم بالقصف أو الهلاك جوعا وبردا ، رغم السريان الصورى للهدنة منذ العاشر من أكتوبر 2025 ، وأضيف للدمار الشامل السابق هدما لثلاثة آلاف منزل إلى الآن ، وكل ذلك مع بقاء قوات الاحتلال جاثمة وراء ما أسموه “الخط الأصفر” ، ودونما رغبة معلنة من “ترامب” ولا من مبعوثيه لدفع قوات الاحتلال للانسحاب من المنطقة الصفراء ، أو البدء فى التراجع إلى ما أسمته “خطة ترامب” بالخط الأحمر لصق حدود “غزة” ، مع التغاضى الأمريكى كليا عن مئات الاختراقات “الإسرائيلية” لوقف إطلاق النار المعلن ، وتوسيع مساحة الاحتلال المباشر إلى ما يزيد على 60% من إجمالى مساحة القطاع ، وعدم الوفاء غالبا باستحقاقات البروتوكول الإنسانى التى كان مقررا تنفيذها من أول يوم هدنة ، فلم يدخل إلى القطاع المدمر سوى أقل من ربع شاحنات الإغاثة والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية ، ولا دخلت مئات الآلاف من الخيام والمنازل الجاهزة المتفق عليها ولا آليات فتح الشوارع وإزالة الركام ، وفى القطاع 60 مليون طن من الركام ، مع تحطيم شامل لبنية الكهرباء والمياه والصرف الصحى والأراضى الزراعية ، وكلها أسباب تكفى وتزيد لخنق ومحو أبسط صور الحياة ، ورغم كل هذا الخراب غير المسبوق فى تاريخ الحروب ، يتسابق عشرات آلاف الفلسطينيين بتسجيل رغباتهم العودة إلى “غزة” ، ولو كانت ترابا وطينا .
وربما تكون هذه الحالة من الاستعصاء الفلسطينى ، هى التى تدفع الأمريكيين للتلاعب فى أولويات المرحلة الثانية من الخطة المتعثرة ، وطرح قضية نزع سلاح “حماس” وأخواتها كأولوية مطلقة ، وبحسب ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية قبل أيام ، فإن المبعوث الأمريكى “ستيف ويتكوف” ومعه صهر الرئيس الأمريكى “جاريد كوشنير” يعتزمان عرض خطة نزع السلاح على مفاوضى “حماس” خلال أسابيع ، وعلى أن تكون الخطة بمراحل تستغرق شهورا للتنفيذ ، ولا تستبقى لمقاتلى “حماس” وأخواتها سوى بعض الأسلحة الخفيفة مؤقتا ، ومع جعل نزع السلاح شرطا مسبقا لنشر ما تسمى “قوة الاستقرار الدولية” أو الشروع فى إعادة الإعمار وبدء انسحاب القوات “الإسرائيلية” بالتدريج ، وهو شرط يصادر كما ترى على جوهر المطلوب ، فحركات المقاومة ليست جيوشا بمخازن أسلحة قابلة للرصد والتفريغ ، والدول التى ستشارك فى “قوة الاستقرار” ليست مستعدة للزج بجنودها فى صدام مسلح مع حركات المقاومة ، فوق أن مفاهيم الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة لا تبدو صالحة لتفسير نوعية سلاح المقاومة ، الذى تصنعه الفصائل بنفسها فى ورش وأنفاق ، و”إسرائيل” تزعم أن ما تبقى من مقاتلى “حماس” يبلغ عددهم نحو 20 ألفا ، وأن لديهم 60 ألف بندقية “كلاشنيكوف” ، وتقول أن مهمة القوات الدولية الأولى هى نزع سلاح المقاومة وهدم الأنفاق ، وتهدد بالقيام بالمهمة إن عجزت عنها القوات الدولية ، المكلفة أساسا بحفظ السلام ومراقبة التزام “إسرائيل” بالانسحاب ووقف إطلاق النار ، وهو ما يضيف تعقيدات أخرى لخطط مجلس السلام “الترامبى” ، فهو لا يستطيع التأكد من نزع سلاح المقاومة ، ولا يملك ولا يريد إجبار الاحتلال على الانسحاب ، فوق أن “إسرائيل” ذاتها لا تستطيع نزع سلاح المقاومة ولا كشف كل أنفاقها ، وقد جربت أن تفعل ـ ومعها أمريكا ـ عبر أكثر من سنتين من حرب الإبادة ، وكان الفشل بالخصوص ظاهرا ، وهى الآن تستخدم دعوى نزع السلاح فقط كذريعة لاستئناف حرب الإبادة ضد المدنيين العزل وتدمير البشر والحجر والشجر .

وإضافة للإعاقات القائمة بوجه اتفاق “غزة” ، وغياب رغبة القائد الأمريكى لمجلس السلام فى حمل “إسرائيل” على تنفيذ التزاماتها المقررة ، تتفاقم الحالة فى الضفة الغربية ، التى تشهد الفصل الأخير من الانقلاب “الإسرائيلى” على اتفاقات “أوسلو” وأخواتها ، وإتمام إجراءات الضم “الإسرائيلى” الفعلى للضفة ، وبكافة مناطقها (أ) و(ب) و(ج) ، ونقل سجلات المبانى والأراضى بالكامل إلى يد سلطات الاحتلال المدنية والأمنية ، وتوحش الاستيطان اليهودى واكمال خططه ، وتسليح مئات الآلاف من قطعان المستوطنين ، وإدارة حرب دموية يومية ضد الفلسطينيين ، والاستيلاء على ممتلكاتهم وحتى أغنامهم ، وهدم مئات الآلاف من منازلهم ، وتشريع نقل أملاك الفلسطينيين إلى أيدى “الإسرائيليين” عبر “حارس أملاك الغائبين” فى القدس ، واستكمال تهويدها باخلاء الأحياء العربية المتبقية ، وجعل اقتحام المسجد الأقصى روتينا يوميا ، والتمهيد لهدمه بعد اعتياد اقامة الصلوات “التلمودية” فى ساحاته ، والضم الرسمى للحرم الإبراهيمى فى الخليل ، وإقامة بلدية يهودية منفصلة فى الخليل ، والنزع شبه الكامل لصلاحيات السلطة الفلسطينية فى رام الله ، فيما تكتفى أغلب الجهات الأممية والدولية بصيحات الاستنكار وبيانات الإدانة ، وتكتفى جماعة “مجلس سلام ترامب” بترديد الأوهام عن رفض الرئيس الأمريكى لخطة ضم الضفة ، وهو الذى أيد ضم القدس بكاملها لكيان الاحتلال ، واعتبر ذلك من إنجازاته التى يفاخر بها لخدمة “إسرائيل” ، ويتظاهر اليوم برفض ضم الضفة دون تحرك افساحا فى المجال لإتمام خطة “إسرائيل” الهادفة لمنع إقامة أى كيان فلسطينى مستقل فى الحال أو فى الاستقبال .

وبالإجمال ، لا معنى فى هذه اللحظة لحديث عن سلام مرتقب فى “غزة” ولا فى كل فلسطين ، ولا لتعليق آمال واهية على تعهد “خطة ترامب” بإنشاء مسار لكيان فلسطينى ، فما يجرى ليس طبخا لسلام ، ولا اتاحة فرص لتحصيل بعض الحقوق ، وتجدد الحروب أقرب من طرف الإصبع ، وبما يجعل مجلس السلام إياه مجرد لافتة مموهة لمجلس حرب حقيقى .
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى