مقالات كبار الكتاب

أحمد نجم يكتب .. حين تفقد صداقة روحك

بقلم أحمد نجم

كنا قد تعاهدنا على أن لا نفترق، لكن افترقنا، جسدًا فقط، ولتبقى الأرواح دربًا والذكريات رفيقًا. أقسى ما يمكن أن تشعر به، هو شعور معايشة الفقد. فقد غالٍ عليك لن يعود.

الفقد هو ضياع شيء غالٍ لديك أو خسارة، فما بالك لو كان الفقد هو صداقة روحك الإنسانية الأخرى التي عاشت معك وعشت معها سنوات كثيرة.

أيام مؤلمة تعيشها حين تفقد صديقك المقرّب الذي عشت معه سنوات كثيرة، عملتم معًا، تحمّلتم شقاء وجهادًا واجتهادًا ومشقة وفرحة نجاح، ثم ثمرة ذلك كله.

فقدان الصديق المقرّب ألم لا يستطيع الإنسان تحمّله بسهولة. عشت تلك اللحظات القاسية التي تحولت في قلبي لكابوس لا أقوى على تحمّله، أشعر أن صداقة روحي انطفأ نورها وانكسر القلب من ألم الوجع، وهامت الروح تبحث عن ونيسها لفقدان الصديق ورفيق الطريق.

كسرة القلب لا يشعر بها إلا من مرّ بها، تشعر أن سند روحك قد اختفى، لكن الذكريات تشعل جراح الألم حين تمر أمام عيني متذكرًا أول لقاء جمعنا، منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

كنت قد كتبت تحقيقًا عن حالة اختفاء غريبة لطفل من منزله بمدينة زفتى بالغربية عن طريق القوى الخفية، في جريدتي *أخبار الحوادث* إحدى إصدارات دار أخبار اليوم، وقرأت المذيعة اللامعة سهير جودة التحقيق، وكانت تعد برنامج *البيوت أسرار* في قناة A.R.T، وطلبت من معدّ برنامجها مطاوع بركات أن يتواصل معي لتقديم التحقيق في حلقة برنامجها.

حينها التقينا وقدمنا حلقة رائعة جدًا، واتفقنا على أن نلتقي في اليوم التالي على غداء عمل دعاني إليه. التقينا واتفقنا وتعاهدنا أن نكون معًا فريق إعداد برامج في فضائيات مختلفة، بدأنا العمل في قناة A.R.T ثم مرورًا بجميع القنوات الفضائية الأخرى، وانتهى بنا المقام في قناة العربية إعداد برامج الإعلامي الكبير الأخ والصديق محمود الورواري.

كان مطاوع بركات إنسانًا خلوقًا طاهر الضمير نقيّ النفس، حلو اللسان، صاحب ابتسامة هادئة يجبرك على احترامه بأخلاقه الرفيعة، وصحفيًا ماهرًا وإعلاميًا قويّ التركيز، شديد النباهة والنزاهة، يلمّ بكل خيوط الأحداث، يقدم نصائح لمن حوله بدون ملل، وبصدق وحبّ النجاح، إنسان راقٍ رائع، لم يتلفظ يومًا بلفظ سيّئ.

كان كلما عملنا في إعداد برنامج يطلب مني البحث عن زملاء لنا لا يشتغلون، لكي نضمهم لفريقنا ويعملوا معنا لمساعدتهم بطريقة كريمة ولائقة. وفي آخر اليوم بعد انتهاء البرنامج، نذهب هو وأنا في سيارته للعشاء في مكاننا المفضل، كافيه في العجوزة. يلقي بهمومه على كتفي يشكو لي بعض ما يصادفه من البعض، وأنا أيضًا.

في أحداث ثورة 25 يناير 2011 أنقذني مطاوع بركات من الموت مختنقًا، فقد كان مقر قناة العربية بجوار ماسبيرو، وكانت المنطقة تشهد تظاهرات قوية استخدمت فيها الشرطة قنابل الدخان لتفريق المتظاهرين، وكان برنامجنا في القناة ينتهي منتصف الليل.

وأنهيت عملي، واستأذنته الانصراف، لكنه طلب مني الانتظار حتى تهدأ المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، لكنني كنت على موعد آخر وأصررت على الانصراف، وجاء خلفي دون أن أدري به ليطمئن على انصرافي بأمان، وعندما نزلت من مبنى القناة وسرت دقائق، فوجئت بقنابل الدخان تنهال ناحيتي بالقرب من المتظاهرين، ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا في سيارته لا أستطيع التنفس، محمولًا لمستشفى القصر العيني القريب حيث أُجريت لي الإسعافات الأولية بجلسات على جهاز التنفس.

كان لنا أصدقاء كثيرون، ولكننا كنا الإناء الذي يستوعب كل هموم الأصدقاء، حين نلتقي أشعر أنني ألتقي مع مرآة روحي. طوال سنوات صداقتنا التي تجاوزت الخمسة والعشرين عامًا، لم نختلف ولم نفترق، كان اللقاء اليومي عبر الواتس حين سافر لدبي، هو سند حياتي ورفيق دربي ومؤنس اشتياقي إليه، أستاذي وصديقي وأخي، لم نختلف يومًا قط.

أشعر بفقده أنني فقدت القدرة على التعامل مع الحزن وكسرة القلب، بسبب فقدان جسدك فقط عن دنياي، الكلمات تسبقها الدموع، والدموع تسبقها ذكريات تدور أمام عيني تلهبني شوقًا لسماع صوتك الحنون حين تتصل تطمئن على أسرتي وتعدني بزيارتي والغداء في منزلي.

صديق الروح والقلب والحياة، إذا فرقتنا الأيام فلن تموت الذكريات، فالصداقة الحقيقية لا تموت برحيل طرف، وإذا ابتعد جسدك فإن روحي في روحك حبايب للأبد، كنت تفهمني وأفهمك عبر خيط المودة والإخلاص والصدق الذي يربطنا برباط روحي لعلاقة أبدية، كان حضورك في أي مكان محل تقدير واحترام لشخصك وتاريخك النقي، وكنت أتباهى بصداقتك وأخوتك.

مطاوع بركات، كبير المعدّين بقناة العربية، الإعلامي المتميز والإنسان الخلوق، للأسف كان خبر وفاتك أكثر قسوة على روحي وقلبي، وهزيمة كبرى لشجاعتي وثباتي، كان موتًا لحياتي الأخرى التي كنت أعشقها وأتذكرها معك، رحيل إنسان نقي يحمل قلبًا كبيرًا ودودًا للجميع، يعيش معي كل يوم بل كل لحظة، يطمئن على أحوالي وبعض الأصدقاء بقلبه الأبيض.

للأسف أنا فشلت يا صديق عمري في أن أكتب عنك، أو أحدثك ولا تسمعني، أو أعطيك حقك كإنسان نقي وإعلامي متميز قدمت الكثير من البرامج الهادفة دون إسفاف، يدي ترتعش ولا تقوى على الكتابة عنك، أوراقي أمامي بللتها غزارة الدموع، ولا أدري أي عضو في جسدي يبكيك، حروفي أبت أن ترثيك لكونها لا تصدق رحيلك، وكلمات تقف في حلقي لا أصدق أنك رحلت، شعور قاسٍ أن أفقدك يا صديق روحي.بل أنت كل روحي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى