
بقلم: سلمى أرباب القاهرة
لم تكن مجرد خيوط بلاستيكية ملونة أو أوراق مجلات قديمة قُصت بعناية، بل كانت “عقداً” يربط بين قلوب الجيران قبل أن يربط بين شرفات المنازل. في حارة ضيقة بقلب القاهرة، يقف “عم محمد” السبعيني أمام ورشته الصغيرة، يمسح العرق عن جبينه وهو يراقب صبية الحي وهم يتسلقون السلالم الخشبية بحماس، ليعلقوا زينة رمضان التي أصبحت إيذاناً رسمياً بأن “الضيف العزيز” بات على الأبواب.
سيمفونية الشارع المصري
ليست الأسواق وحدها هي من تعلن الاستعداد، بل هي رائحة “المستكة” و”المحلب” التي بدأت تفوح من نوافذ البيوت، وصوت طرقات النحاس في ورش الجمالية التي لا تهدأ. هنا في مصر، الاستعداد لرمضان ليس مجرد “شراء احتياجات”، بل هو طقس اجتماعي يتوارثه الأبناء عن الأجداد.
في سوق “الخِيامية”، يختلط ضجيج الباعة بأغاني “عبد المطلب” و”سيد مكاوي” المنبعثة من المذياع القديم، بينما تتراقص أقمشة الخيامية الحمراء والزرقاء لتغطي واجهات المحلات، في مشهد يرسم لوحة فنية تعجز عن وصفها الكلمات.
طوارئ في “مملكة البيت”
بينما ينشغل الرجال والشباب بالزينة في الخارج، تعلن الأمهات حالة “الطوارئ القصوى” داخل المطابخ. تبدأ رحلة “تجهيز الخزين”؛ من تنقية الأرز وتجفيف الخضروات، وصولاً إلى ترتيب “ياميش رمضان” الذي يزين طاولات البيوت. لا يهم الظرف الاقتصادي أو غلاء الأسعار، فالمصري يمتلك قدرة عجيبة على “البركة”، حيث تجد الجميع يتشارك، يتبادل الجيران أطباق التمر، وتتسابق الأيدي لتجهيز “كراتين الخير” التي ستوزع على المحتاجين.
الفانوس 2026: “نوستالجيا” الماضي بروح التكنولوجيا
إذا تجولت في أزقة “تحت الربع” بالدرب الأحمر هذا العام، ستدرك أن الفانوس المصري لم يعد مجرد قطعة ديكور، بل هو “بطل حكايات” يتجدد كل موسم. في عام 2026، نجح الحرفيون المصريون في كسب المعركة ضد الفانوس المستورد، حيث تصدر الفانوس الصاج المشهد من جديد، ولكن بلمسات عصرية مذهلة.
ولكن، المفاجأة الحقيقية في أسواق هذا العام كانت “فانوس التلفاز”؛ تلك القطعة التي خطفت الأنظار وأصبحت “تريند” الموسم. لم يعد الفانوس يكتفي بالإضاءة، بل تحول إلى شاشة عرض صغيرة تبث مشاهد كرتونية من عبق الماضي مثل “بوجي وطمطم”، وتصدح بأغانٍ رمضانية بتقنيات صوتية عالية الجودة، ليكون قطعة ديكور فاخرة في صدر البيوت المصرية، برغم وصول أسعاره لبعض الموديلات الفاخرة إلى نحو 3500 جنيه.
بين “الميدالية” و”القطع الفنية”
على أرصفة حي العتبه و الموسكي، تتجلى الطبقية الجميلة للفانوس؛ فبجوار “الفوانيس الميدالية” التي تبدأ من 10 جنيهات لترسم البسمة على وجوه الأطفال، نجد الفوانيس المصنوعة من الأكريليك والخرز التي تدمج بين الإضاءة الدافئة والتصاميم الهندسية الحديثة.
يقول “راشد”، أحد صناع الفوانيس “هذا العام، الإقبال على المنتج المحلي غير مسبوق. الناس عادت تبحث عن (الروح)، الفانوس الذي يشعرهم بالأصالة.” وبالفعل، عادت فوانيس “الخيامية” المغطاة بالقماش لتزين الشرفات بأسعارها التي تناسب الجميع، ممتزجة بخيوط إضاءة الـ LED التي أضفت لمسة سحرية على “ليالي شعبان” التي تسبق الشهر الفضيل.
“الخير في أمتي”: سيمفونية التكافل التي تسبق الهلال
بينما تنشغل الأعين بالفوانيس والزينة، تنشغل الأيدي في “خلايا نحل” لا تهدأ داخل الجمعيات الأهلية وبيوت المصريين البسيطة. التكافل في مصر هذا العام لم يعد مجرد “صدقة”، بل تحول إلى منظومة شعبية مبهرة لمواجهة تحديات الغلاء؛ حيث شعار الجميع: “لن يبيت جارٌ جائعاً”.
في مشهد يتكرر بكل حارة، تجلس الجارات حول مائدة كبيرة، لا لإعداد طعام بيوتهن، بل لتجهيز “شنطة رمضان”. الحكاية بدأت منذ منتصف شهر شعبان؛ فهذه تبرعت بـ “كيلو أرز”، وتلك بـ “زجاجة زيت”، لتكتمل في النهاية آلاف الكراتين التي تحمل في طياتها حباً قبل أن تحمل طعاماً.
“بنك القلوب” وموائد لا تعرف الفرق
نشاهد تطوراً في شكل التكافل؛ حيث انتشرت مبادرات “المطابخ المركزية للحي”، وهي مبادرات شبابية تهدف لطهي وجبات طازجة يومياً وتوزيعها قبيل المغرب على كبار السن والمغتربين، بدلاً من الموائد التقليدية الثابتة فقط.
يقول “أحمد”، شاب ثلاثيني يدير إحدى هذه المبادرات: “الجمال في مصر هو أن الفقير قبل الغني يشارك؛ فالمتبرع قد يكون شخصاً بسيطاً جداً ولكنه يصر على وضع (علبة تمر) في كرتونة جاره.” إنها حالة من “الأمان الاجتماعي” التي تجعل كل مصري يشعر أن رمضان لن يمر إلا والخير يملأ بيته، بفضل قلوب تفتح أبوابها قبل أن تفتح المساجد لصلاة التراويح.
مسك الختام
“وهكذا، يظل رمضان في مصر قصة حب متجددة؛ فصولها تبدأ من ورشة صانع فوانيس، وتمر بمطبخ أمٍّ كريمة، وتنتهي عند يد طفل يوزع التمر على الصائمين في الطرقات. هي الحالة التي لا تشرحها الكلمات، بل تُعاش في شوارع المحروسة كل عام.”











