بقلم: د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
احتفلت كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة في الخامس من فبراير عام 2026 بتخريج دفعة جديدة من الأطباء الوافدين، والذين بلغ عددهم قرابة 650 طالبًا وطالبة، وفدوا من 35 دولة من مختلف أنحاء العالم، في احتفالية تعكس بوضوح المكانة التاريخية والعلمية التي تحظى بها هذه الكلية العريقة، الدرة المتلألئة في تاج جامعة القاهرة. وتُعد هذه الكلية العريقة أكثر كليات جامعة القاهرة جذبًا للطلاب الوافدين، إذ تحتضن قرابة 6000 طالب وافد في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، وهو ما يمثل نحو 20% من إجمالي عدد الطلاب الوافدين بالجامعة، لتتصدر بذلك الكليات الأكثر جذبًا للطلاب الأجانب في جامعة القاهرة، وربما في كل الجامعات المصرية.
وقد يسأل البعض عن مدى أهمية جذب الطلاب الوافدين، وما إذا كان من الأولى توجيه الجهود المخصصة لهم نحو الطلاب المصريين فقط. والحقيقة أن الجامعات المصرية، وفي مقدمتها جامعة القاهرة، لا تفرّق في توفير الإمكانات التعليمية والخدمية بين الطالب المصري والطالب الوافد، إذ يحصل الجميع على فرص متكافئة داخل منظومة تعليمية واحدة، وهو أمر تقوم به كل جامعات العالم في عالمنا المعاصر بلا استثناء. ففي عصرنا الحديث يعتبر ملف الطلاب الوافدين من أهم الملفات الاستراتيجية في التعليم العالي، لما يحمله من أبعاد وطنية وثقافية واقتصادية وأكاديمية بالغة الأهمية.
فالطلاب الوافدون هم ركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة للدولة المصرية، فهم يساهمون بقوة في تعزيز التبادل الثقافي والحضاري بين مصر ودول العالم، وعلى وجه الخصوص دول القارة الإفريقية، التي تجمعها بمصر روابط تاريخية وإنسانية ممتدة، وأصبحت هناك أهمية خاصة في السنوات الأخيرة لإعادة هذه الروابط لمكانها الصحيح بعد أن تعرضت إلى بعض الضعف خلال فترات سابقة أثرن على مصالح الدولة المصرية. كما أن وجودهم داخل الجامعات المصرية ينعكس بشكل مباشر على تحسين التصنيف الدولي للجامعات، حيث تُعد نسبة الطلاب الوافدين مع النشر الدولي للبحوث من المؤشرات الأساسية المعتمدة في أنظمة التصنيف العالمية. ومن الناحية الاقتصادية، يشكل ما ينفقه الطلاب الوافدون خلال رحلتهم التعليمية رافدًا مهمًا للدخل القومي، إذ إن الرسوم الدراسية، وتكاليف الإقامة، والمعيشة، والخدمات المختلفة يُعد إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، خاصة لما يوفره من عملة صعبة. فضلًا عن ذلك، فإن هذه الفئة تسهم في نقل الثقافات وبناء شبكات علاقات دولية طويلة الأمد، وتدعم بيئة الابتكار والبحث العلمي والخدمات الاقتصادية داخل الدولة المضيفة.
وبالتالي يمكن أن نحدد أبعاد الاستفادة من تواجد الطلاب الوافدين في الجامعات في أربعة محاور رئيسية وهي،
أولا تعزيز القوة الناعمة للدولة، حيث يشكل الطلاب الوافدون جسورًا حضارية وثقافية، ويعودون إلى بلدانهم سفراء لمصر، حاملين صورة إيجابية عن المجتمع المصري ومؤسساته التعليمية. ثانيا تعزيز الدخل القومي، حيث يمثلون مصدر دخل قومي مستدام من خلال الرسوم الدراسية ونفقات المعيشة. ثالثا رفع التصنيف الأكاديمي للجامعات، حيث تسهم نسبة الطلاب الوافدين في تحسين ترتيب الجامعات المصرية على المستوى الدولي. رابعاً التنوع والثراء الثقافي، حيث يخلق وجودهم بيئة جامعية متعددة الثقافات، تنمّي مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى جميع الطلاب.
وانطلاقًا من هذه الأهمية المتفق عليها في العالم كله، أولت الدولة المصرية في السنوات الأخيرة اهتمامًا بالغًا بملف الطلاب الوافدين، فأطلقت منصة “ادرس في مصر” كمنصة إلكترونية موحدة تهدف إلى تسهيل إجراءات التحاق الطلاب الأجانب بالجامعات المصرية، والتعريف بالبرامج التعليمية المتنوعة التي تقدمها. كما وفرت الدولة تسهيلات ملموسة، من بينها التأشيرة التعليمية، وتطوير منظومة الرعاية والخدمات المقدمة للطلاب الوافدين، بما يضمن لهم بيئة تعليمية آمنة، وجاذبة، وغنية على المستويين الأكاديمي والإنساني. ويزداد هذا الدور أهمية في ظل وجود عشرات الآلاف من الطلاب الوافدين في الجامعات المصرية، حيث تضم جامعة القاهرة وحدها ما يزيد على 30 ألف طالب وافد، في دلالة واضحة على الثقة الإقليمية والدولية في التعليم الجامعي المصري.
وقد يذهب البعض إلى القول إن جزءًا كبيرًا من هؤلاء الوافدين التحق بالجامعات المصرية من خلال منح دراسية مجانية، أو أن بعضهم يتعثر في سداد المصروفات الدراسية، لا سيما من الدول التي شهدت صراعات سياسية واضطرابات خلال العقد الأخير، ما دفع العديد من مواطنيها إلى اللجوء إلى مصر طلبًا للأمان أو التعليم. ورغم أن أكثر الطلاب الوافدين يتحملون نفقات دراستهم بالكامل، فإن الفئة التي تتلقى دعمًا أو منحًا دراسية أو تتعثر في السداد ويتم تأجيله لهم، فهي تعكس وجهًا إنسانيًا وأخلاقيًا أصيلًا للدولة المصرية، التي لم تتخلَّ يومًا عن دورها التاريخي في احتضان كل من لجأ إليها للعيش أو التعليم أو الاستشفاء. فالأمر لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، فهناك أبعاد أخرى ذكرناها في المقال.
لقد كانت مصر دائما، وسوف تظل، ملاذًا آمنًا للشعوب التي تتعرض لظروف قاسية، كما كانت بيئة حاضنة للعلم والإنسان، وستظل كذلك، وفيةً لقيمها الحضارية ورسالتها الإنسانية.






