مقالات كبار الكتاب

دكتور صبري الغياتي يكتب .. رحلتي الإسراء والمعراج والسفر عبر الزمان

بقلم دكتور صبري الغياتي

نسمع منذ فترة عن قصص الخيال العلمي والسفر عبر الزمان، فهل خطر ببالنا أن الحق تعالى أجرى تلك الرحلة عبر الزمان لنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم).

لقد كانت رحلتي الإسراء والمعراج رحلتين مكانيتين، فقد أسري برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذه هي الرحلة الأرضية، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، وتلك هي الرحلة العلوية، فالحق تعالى قد طوى المكان للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فجاز هذه الأماكن وعاد إلى فراشه وما زال دفء الفراش كما هو، وذلك كان موضع الغرابة عند أهل مكة، لأن الذهاب إلى بيت المقدس كان وقتها يستغرق شهرا ذهابا وشهرا إيابا، لكن الحق تعالى طوى المكان لرسوله (صلى الله عليه وسلم)، وبالمثل فقد طوى الحق تعالى الزمان في هاتين الرحلتين للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فجاز النبي (صلى الله عليه وسلم) الزمان كله ومر بكل العصور حتى بلغ الدار الآخرة ورأى أهل الجنة في الجنة ينعمون، ورأى أهل النار في النار يعذبون، فمن مشاهد الإسراء التي رآها النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على قوم يزرعون ويحصدون كلما حصدوا عاد الزرع كما كان، فقال: من هؤلاء يا أخي يا جبريل؟ فقال جبريل: هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) رأى المجاهدين وجزاءهم ، والمعلوم أنه لم يكن ثمت جهاد ولا شهادة في سبيل الله، إذ كان الجهاد في المدينة وكانت الرحلة في العام العاشر من البعثة النبوية في مكة، ثم إن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى أناسا ترضخ رؤوسهم بالحجارة كلما رضخت عادت كما كانت، فقال: من هؤلاء يا أخي يا جبريل؟ فقال جبريل: هؤلاء هم المتكاسلون عن الصلاة، والصلاة لم تكن قد فرضت بعد، إذ كان فرضها في هذه الليلة المباركة، وجزاء المصلين أو تاركي الصلاة لا يكون إلا في الدار الآخرة، وكذلك رأى النبي في هذه الليلة مشاهد أخرى كلها إما نعيم لأهل الجنة، وإما صورا من عذاب أهل النار أعاذنا الله منها، فمن هنا كانت رحلتي الإسراء والمعراج رحلتين عبر الزمان، فقد طوى الحق تعالى الزمان للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا ما حاولت قصص الخيال العلمي أن تتخيله، فهل يمكن أن يكشف العلم عن تلك الإمكانية؟ ويصبح السفر عبر الزمان ممكنا علميا؟ سؤال نتركه للزمن فالعلم كل يوم في كشف جديد.

لكن يبقى هنا أمر مهم، وهو أن النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الرحلة الزمانية مر بكل العصور، فمر بزمن التابعين ومن بعدهم، وكذلك مر النبي (صلى الله عليه وسلم) بزماننا هذا، ولا شك أنه قابل أناسا في هذا المرور في كل عصر، قال أهل الصفاء: فهؤلاء هم الموعودون برؤية النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام، نسأل الله تعالى أن نكون من أهل رؤيته في الدنيا مناما وفي الآخرة حقا، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.

دكتور صبري الغياتي
مدير مكتب الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى