مقالات كبار الكتاب

دكتور محمود السعيد يكتب.. الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي (1)

بقلم: د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

في سلسلة سابقة عن الاستخدام المسؤول لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي تناولنا عدة موضوعات تتعلق بأخلاقيات الاستخدام ومجالاته، وفي هذا المقال نعود إلى الكتابة في موضوع ذات صلة وهو الاستخدام الفعال لهذه التطبيقات في البحث العلمي. هناك عدة دراسات حديثة عن هذا الموضوع يجب التوقف أمامها لفهم أنماط توظيف هذه التقنيات داخل برامج الدراسات العليا، وخصوصا مرحلة الدكتوراة بوصفها أعلى مرحلة بحثية لطلاب الدراسات العليا وأكثرها حساسية وتأثيرًا في مستقبل المعرفة. ومن ضمن هذه الدراسات توجد دراسة علمية حديثة نُشرت في مطلع عام 2026 في مجلة Studies in Higher Education، والمملوكة للناشر الدولي تايلور وفرانسيس، وهي دراسة اعتمدت على تحليل واسع النطاق لبيانات المسح الوطني الصيني لخريجي الدكتوراه لعام 2025، بهدف استكشاف كيفية تبني طلاب الدكتوراه في جامعات الصين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)في إنجاز رسائلهم، وكيف تنعكس أنماط تفاعلهم المختلفة مع هذه التطبيقات على أدائهم البحثي من حيث الكم والجودة.

في مقدمة الدراسة يؤكد المؤلفون أن الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد مجرد ظاهرة تقنية وحسب، بل أصبح عاملًا مشتركًا في مجال البحث العلمي يشكل بيئة التعليم العالي، وخاصة في مرحلة الدكتوراة. وقد أشار الباحثون إلى أن هذا التحول التاريخي في مجال البحث العلمي يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الممارسة البحثية في ظل حضور أدوات قادرة على توليد النصوص، وتحليل البيانات، والمساهمة في بلورة الأفكار، بل وحتى محاكاة الرسائل العلمية بالكامل.
أظهرت نتائج الدراسة أن أنماط استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد رسائل الدكتوراة في جامعات الصين يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنماط رئيسة. النمط الأول هو استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتحسين النصوص، من حيث الصياغة اللغوية، وتنظيم الأفكار، وتصحيح الأخطاء، وقد شكّل هذا النمط النسبة الأكبر من الاستخدامات بنسبة بلغت 51.4%. أما النمط الثاني فتمثل في استخدامه كمساعد في إنجاز المهام البحثية، مثل تحليل النتائج، وتنظيم البيانات، واستخلاص المؤشرات، وقد بلغ 43.8%. بينما جاء النمط الثالث، وهو الأكثر أهمية وعمقًا ولكنه الأقل انتشارًا، وهو نمط “الشريك الفكري”، حيث يُوظَّف الذكاء الاصطناعي للمناقشة، وتوليد الفرضيات، وتوسيع أفق التفكير النقدي، ونسبة انتشاره لم تتجاوز 4.8%. من الإجمالي.

وتكشف الدراسة عن أبعاد مهمة تتعلق بخصائص الطلاب الذين يميلون إلى كل نمط من هذه الأنماط الثلاث. فقد تبين أن أنماط التفاعل الأكثر عمقًا – ولا سيما نمط “الشريك الفكري” – كانت أكثر شيوعًا بين طلاب التخصصات المنتمية إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) ، وكذلك بين من لديهم خبرات متعددة التخصصات، أو يتمتعون بدافعية ذاتية مرتفعة، أو يعانون من انخفاض نسبي في مستوى الرضا عن الإشراف الأكاديمي ولديهم نوع من الاستقلالية في إنجاز الرسالة. ويشير ذلك إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُستخدم، في بعض الأحيان لتعويض نقص الإرشاد الأكاديمي أو لتعزيز الاستقلالية البحثية.

ومن حيث العلاقة بين أنماط الاستخدام والأداء البحثي، أظهرت نتائج البحث تباينًا منهجيًا واضحًا. فقد ارتبط استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين النصوص بزيادة إنتاجية النشر العلمي، أي بارتفاع عدد الأبحاث المنشورة من الباحثين، وهو مؤشر كمي في المقام الأول. في المقابل، ارتبط الاستخدام الأكثر تكاملًا وعمقًا، كما في نمط “الشريك الفكري”، بتحسن جودة الأطروحة نفسها، من حيث الأصالة، والاتساق المنهجي، وعمق التحليل. كما أوضحت الدراسة أن تخصص الطالب يلعب دورًا حاسمًا في تحديد طبيعة هذا الأثر. ففي المجالات ذات الطابع التجريدي والمفاهيمي، مثل العلوم الإنسانية والرياضيات النظرية، يتركز استخدام الذكاء الاصطناعي في وظائف معالجة النصوص، ويرتبط بنتائج متواضعة تتركز أساسًا في زيادة الكم دون تحسن جودة العمل البحثي. أما في المجالات الحسابية والتجريبية كالاقتصاد، والفيزياء، وعلوم الحاسوب، والهندسة ، فقد كان التفاعل الأعمق، عبر استخدام نمط مساعد المهام البحثية أو الشريك الفكري، أكثر ارتباطًا بمؤشرات أداء بحثي ذو جودة مرتفعة.

وتدل هذه النتائج على أن تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي في أبحاث الدكتوراه ليس تأثيرًا ثابتًا أو موحدًا أو خطيًا، بل يتحدد إلى حد كبير بكيفية دمجه في الممارسات البحثية داخل كل تخصص. فالأداة ذاتها قد تكون عامل تعزيز لجودة البحث في حالات، ومجرد أداة تسريع لإنتاج مزيد من البحوث في حالات أخرى. وفي ضوء ذلك، تتأكد الحاجة إلى تطوير قواعد تنظيمية وتنظيم برامج تدريبية داخل الجامعات تضمن الاستخدام المسؤول والفعال لهذه التطبيقات، بما يحافظ على أصالة البحث العلمي، ويعزز في الوقت ذاته من قدرات الباحثين الشباب على الاستفادة الواعية من التحول الرقمي المتسارع. فالذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الباحث، وإنما أداة تتحدد قيمتها بمدى وعي مستخدمها، وبالمنظومة الأكاديمية التي تسمح بحضوره داخلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى