بقلم دكتور صبري الغياتي
عرف العلماء القرآن الكريم بأنه: هو اللفظ العربي المنزل من عند الله تبارك وتعالى على النبي العربي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) بواسطة الأمين جبريل (عليه السلام) المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة من مثله.
ونحن لن نجري هنا على عادة العلماء في إخراج محترزات التعريف، أو كون التعريف جامعا مانعا، أو غير ذلك مما درج علماؤنا على إيراده في مثل تلك الدراسات، فذلك مسطور في الطروس مستفاض في الدروس ، وإنما غرضنا هنا أن نقف حول هذا التعريف وقفات
أما الوقفة الأولى: فإن استعمال لفظ قرآن علما على هذا الكتاب الشريف، وهو مصدر غير قياسي دون استعمال المصدر القياسي (قراءة) له عدة دلالات.
منها: أن هذا المصدر إذا تتبعنا وروده في لغة القرآن الكريم، وجدنا أنه لا يأتي إلا في الشيء قد بلغ التمام في بابه بحيث لا مزيد عليه مثل: غفران وحسبان ، فإذا كانت المغفرة هي ستر الذنب كما نعلم، وإذا كان العفو هو محو الذنب من صحف الكتبة كما نعلم أيضا، فإن الغفران لا يكتفي بستر الذنب ولا بمحوه من صحف الملائكة فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى محو أثر الذنب في القلب، لأن الذنب لا بد له أثر في القلب يظل القلب متعلقا به أسيرا لاقترافه، فحينما نطلب الغفران كما علمنا الحق تبارك وتعالى في ختام سورة البقرة (غفرانك ربنا وإليك المصير)، نكون قد وصلنا إلى تطهير القلب والنفس من أثر وسواس الشيطان،، وذلك حد في الخلاص من الذنب لا مزيد عليه، وكذلك (حسبان) فإنها مصدر غير قياسي للفعل حسَب بفتح السين، فإن مصدرها حساب، وهي غير حسِب بالكسر فإنها من الحَسْب أي الظن والتخمين.
والمصدر (حسبان) ورد في قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان بحساب دقيق لا يمكن أن ينخرم قيد أنملة، وتلك من رحمة الله تعالى بنا، فلو اختل دوران الشمس أو القمر أو أي من الأفلاك والنجوم في الكون لانهدم الكون على رؤوسنا، ولكنها رحمة الله تعالى الذي (خلق كل شيء فقدره تقديرا)، ثم انظر إلى رحمته تعالى بنا يوم القيامة الذي سماه يوم الحساب، ليؤكد أنه حساب وليس حسبان، ولو كان حسبانا ما نجا أحد من الخلق، ولذلك يقول تعالى في إجراء الحساب للخلائق وخاصة المؤمنين: (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) ولو كان حسبانا ما عرف اليسر طريقا إليه، فسبحان الخالق الرحيم،، ما أحلمه وما أعظمه جل ثناؤه وعظمت في الخلائق نعماؤه.
ومنها: أن هذا الكتاب يخرج عن دائرة القياس بالنسبة لأي كتاب آخر، فليس هناك ثمت مقارنة بينه وبين أي كتاب آخر مهما كانت درجة براعة الكاتب، ولذلك لما تحدى الحق تعالى به الخلق لم يقل: فأتوا بسورة مثله، وإنما قال: (فأتوا بسورة من مثله) أي إن كان له مثل فأتوا بسورة من هذا المثل لأنكم لا تطيقون الإتيان بأقصر سورة منه، وهنا لا بد أن نفصل الكلام في معنى (المِثل)، فالمثل هو المماثل، والمماثلة لا تقتضي المطابقة التامة، بل تعني المشابهة في أمر واحد من خصائص المشبه به، ولذلك قال أهل العلم أن التشبيه : هو إلحاق أمر بأمر في معنى مشترك بأداة ظاهرة أو مقدرة أو منوية، فالمشبه يلحق بالمشبه به في بعض صفاته فقط، وإذن فالمراد: إن كان في كلام البشر ما فيه ولو خصيصة واحدة أو وجه مشابهة للقرآن الكريم ولو من بعيد.. لو افترضنا وجود ذلك المثل وهو مستبعد، فأتوا أنتم بسورة تشابه هذا المثل ولو في بعض الوجوه.
ومنها: أن هذا الكتاب مع كونه معجزا إلا أنه ما خالف القياس اللغوي لكلام العرب، ولكن لتعلموا أن مقاييس اللغة التي تحتكمون إليها في كلامكم، وتحكمون بها على الكلام، فتميزون بين الجيد والرديء من الكلام، بل بين الجيد والأكثر جودة، لا يمكن أن تكون حاكمة على هذا الكتاب، لأنها مهما دقت فهي نتاج بشري، وحاشا أن يدرك البشر أسرار كلام الخالق سبحانه وتعالى ومراميه، بل حسبهم أن يحوموا حول معانيه بما يفيء الله عليهم من فتوحات العلم، ولكن يحمد لكم في علومكم هذه والبحث في مقاييس اللغة وتدوين تلك القواعد أنها وسائل تساعد كل باحث في القرآن للوصول إلى مبتغاه، فهي وسائل لبحث النص لكنها غير حاكمة عليه، والدليل على ذلك أنك تجد القرآن الكريم يخالف القواعد اللغوية أو البلاغية مما عده العلماء عيبا مخلا بفصاحة الكلام، ثم تجد ذلك في القرآن الكريم وهو قمة الإبداع والإمتاع والبلاغة على حد سواء، وهذا كلام له موطنه الخاص من هذا السفر.
دكتور صبري الغياتي مدير مكتب معالي الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية





