بقلم د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
يعتبر علم الإحصاء من أقدم العلوم التي استعان بها الإنسان في مسيرته الحضارية، فقد ارتبط منذ نشأته الأولى بحاجة الإنسان إلى العدّ والحصر والتنظيم. فقد احتاجت المجتمعات القديمة إلى إحصاء السكان، وتقدير الموارد الاقتصادية، وحصر الممتلكات، تمهيدًا لإدارة شؤون الدولة، وبناء الجيوش، وتشييد المعابد، وتنظيم الأنشطة الاقتصادية. ومن هنا نشأ هذا العلم ليكون أداةً في يد الدولة لتحقيق وظيفتي الضبط والتنظيم، قبل أن يتطور لاحقًا ليصبح أحد الفروع الرئيسة للرياضيات التطبيقية، بما يتضمنه من نظريات وأساليب كمية تُعنى بجمع البيانات، وتنظيمها، ووصفها، وتحليلها، واستخلاص الدلالات منها، دعمًا لعملية اتخاذ القرار في المؤسسات والدول على حد السواء.
ويهدف علم الإحصاء إلى تحقيق مجموعة من المقاصد، من بينها على سبيل المثال، حصر الظواهر محل الدراسة، وجمع البيانات اللازمة للإجابة عن تساؤلات محددة عنها، وتحليل هذه البيانات بأساليب علمية دقيقة، وصولًا إلى بدائل متعددة تمكّن متخذ القرار من اختيار البديل الأنسب منها. وفي حياتنا المعاصرة نلحظ حضورٌ يوميٌّ للإحصاء في كافة المجالات؛ فنجد في الصحف مؤشرات إحصائية عن البورصة، وتوقعات الطقس، وتقارير عن الوضع الاقتصادي، وإحصاءات التنمية في مجالات الإسكان والصحة والتعليم، فضلًا عن تقلبات أسعار العملات والسلع. وكلها مؤشرات رقمية تعكس أهمية البيانات وتحولها إلى لغة العصر وأداة فهمه الأساسية.
وفي السنوات الأخيرة، شهد العالم طفرة غير مسبوقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تشكل مستقبل ملامح مختلف القطاعات، من الصناعة والتجارة إلى الطب والتعليم والإدارة العامة. غير أن هذا التقدم الكبير لم يأتِ من فراغ، بل ارتكز على دعائم علمية راسخة من عدة علوم أساسية، يتصدرها علم الإحصاء. فالذكاء الاصطناعي في جوهره يقوم على التنبؤ واكتشاف الأنماط الكامنة داخل البيانات، وهي عمليات لا يمكن تنفيذها دون الاعتماد على الأساليب الإحصائية التي تتيح فهم هذه البيانات وتحليلها وبناء النماذج القادرة على الاستفادة منها.
ويضطلع علم الإحصاء بدور محوري في معالجة البيانات وربط متغيراتها والكشف عن العلاقات بينها، سواء كانت علاقات ارتباطية أو سببية. ومن ثم، فهو يمثل الركيزة التي تُبنى عليها خوارزميات التعلم الآلي والنماذج الذكية. ويقتضي العمل في مجال الذكاء الاصطناعي إلمامًا راسخًا بمفاهيم الاحتمالات، وتوزيعات البيانات، والمتغيرات المستقلة والتابعة، وأساليب التقدير واختبار الفرضيات. فبدون هذه المفاهيم والأساليب المنهجية، تصبح النماذج الحاسوبية مجرد عمليات حسابية بلا دلالة علمية.
كما يسهم الإحصاء من خلال أدواته الكمية في تطوير خوارزميات التعلم الآلي وتحسين أدائها. فالمقاييس الإحصائية، مثل المتوسط والوسيط والانحراف المعياري، تمكّن الباحث من فهم طبيعة البيانات، والكشف عن القيم الشاذة، وتحديد درجة التشتت والتباين. أما تقنيات العرض البياني للبيانات، فتسهم في تبسيط المعلومات المعقدة، وتيسير اكتشاف الأنماط المخفية، مما يعزز من جودة النماذج ودقة تنبؤاتها.
ويمكن إبراز عدد من الوظائف الأساسية لعلم الإحصاء التي كان لها أثر بالغ في تطور الذكاء الاصطناعي، ويأتي على رأسها وظيفة التنبؤ، وهي جوهر معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالنماذج الإحصائية تُختبر قدرتها على التنبؤ بأداء بيانات مستقبلية استنادًا إلى بيانات سابقة، بما يعزز موثوقية النتائج ويضمن قابليتها للتعميم. أما الوظيفة الثانية فهي وظيفة العرض والتحليل البياني للبيانات، إذ لم يعد الإحصاء مقتصرًا على العدّ والحصر، بل أصبح أداة لاكتشاف رؤى جديدة من خلال تمثيل البيانات بصريًا، بما يساعد على استكشاف العلاقات والاتجاهات. ثم تأتي وظيفة الاستدلال السببي، وهي من أكثر الوظائف أهمية في التطبيقات المتقدمة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتنبؤ بما سيحدث، بل يسعى إلى فهم لماذا يحدث، وما الذي يمكن أن يتغير إذا تغير أحد العوامل، وهو ما يرفع من كفاءة النماذج في دعم القرار. وأخيرا وظيفة النمذجة متعددة المستويات والتعلم العميق، حيث تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة على نماذج إحصائية معقدة قادرة على تمثيل العلاقات غير الخطية بين عدد كبير من المتغيرات، مما يتيح معالجة النصوص والصور والبيانات الضخمة بدقة عالية، ودراسة أنماط سلوك المستهلكين، وتحليل الصور الطبية، وغير ذلك من المجالات الحيوية.
إن التأمل في هذه الأدوار يكشف بوضوح أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يتسم به من طابع تقني متقدم، يظل قائمًا على أسس إحصائية متينة. ومن ثم، فإن تعميق دراسة علم الإحصاء، وتوسيع قاعدة المتخصصين فيه، يمثلان ضرورة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي. كما أن الجامعات مطالَبة بتطوير برامج تعليمية متخصصة تُعنى بتأصيل المعرفة الإحصائية وربطها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى نُعدَّ كوادر قادرة على التعامل الواعي مع تحديات المستقبل، وتسخير أدوات العلم لخدمة المجتمع والتنمية المستدامة.







