مقال رأي

الامتنان: دينامو القلوب وسرّ العبور بسلام

 

بقلم : سلمى أرباب

 

في ضجيج الحياة وتسارع أحداثها، قد ننسى أن كلمة “شكراً” ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل هي النبض الذي يبقي العلاقات على قيد الحياة. إن الشكر هو الشعور الأسمى الذي يربط الأرض بالسماء، والقلب بالقلب، وهو المقياس الحقيقي لمدى رقي النفس وتقديرها للوجود.

المبدأ الرباني: الشكر شرط الزيادة

لقد وضع لنا الخالق عز وجل قاعدة ذهبية في كونه: “لئن شكرتم لأزيدنكم”. الله سبحانه وتعالى، وهو الغني عن العالمين، جعل الشكر سبيلاً لتدفق النعم واستمرارها، وحذرنا من أن جحود النعمة يؤدي إلى زوالها. ومن هذا المنطلق الإلهي، يجب أن نستمد دستورنا في التعامل مع البشر؛ فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ومن لا يقدّر العطاء -مهما صغر- لا يستحق أن ينال المزيد منه.

الامتنان كـ “دينامو” للعلاقات

في أي علاقة إنسانية، يعمل الامتنان بمثابة المحرك (الدينامو) الذي يدفعها للسير.

في التفاصيل الصغيرة شكرك لزوج ساعدك في مهمه بسيطه، أو شكرك لصديق أنصت لك، هو ما يمنحهم الطاقة للاستمرار بالعطاء و في المواقف الكبيرة الامتنان هنا يصبح اعترافاً بالفضل، ورسالة واضحة بأن مجهود الآخر لم يذهب سدى.

إن غياب الشكر يجعل العطاء “واجباً ثقيلاً”، بينما  يحوله الامتنان إلى “متعة مستمرة”.

فن اختيار الرفيق الشاكر

الحياة رحلة طويلة، والعبور منها بسلام يتطلب رفيقاً يدرك قيمة ما تقدمه. هناك صنف من البشر يرى العطاء حقاً مكتسباً فلا يحرك ساكناً، وهناك النفوس النقية التي تشعر بكل ذرة جهد تبذلها، وتذكرها لك بمنتهى الحب والتقدير.

إن اختيارنا للأشخاص الذين يمتنون لوجودنا ولما نقدمه ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لنكمل الرحلة دون أن تنطفئ شعلة العطاء في قلوبنا. هؤلاء هم الشركاء الحقيقيون الذين يربحون قلوبنا للأبد؛ فهم لا يرون معروفنا واجباً مفروضاً، بل يقدّرون كل جهدٍ نبذله، وبوجودهم تصبح الحياة أكثر رحابة واستحقاقاً للعناء.

الخلاصة: الأشخاص النعم

إن الشكر ليس مجرد رد فعل، بل هو منهج حياة. نحن نشكر الله لأنه أتاح لنا فرصة الوجود، وسخر لنا النعم، ووهبنا أشخاصاً هم في الحقيقة “نعم” تمشي على الأرض.

في نهاية المطاف، كل علاقة إنسانية تحتاج إلى “رئة” تتنفس بها، والامتنان هو ذلك الأكسجين. قدّم الشكر على أصغر التصرفات قبل أكبرها، واجعل امتنانك ظاهراً لمن يستحقه، لكي تعبر هذه الدنيا بقلب خفيف، وروح مطمئنة، وعلاقات قوية لا تهزها رياح الجفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى