بقلم: د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
في إطار دورها التاريخي والتنويري، وتأكيدا لقيمة الوفاء، نظّمت جامعة القاهرة مؤتمرًا فكريًا مهمًا ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، لإحياء ذكرى «أستاذ الجيل» الدكتور أحمد لطفي السيد، أحد أبرز رواد النهضة الفكرية والسياسية في مصر الحديثة، وأحد الآباء المؤسسين للفكر الليبرالي الوطني. وقد جاء المؤتمر عبر ثلاث جلسات فكرية متكاملة تناولت الأبعاد الإدارية والسياسية والصحفية والاجتماعية في فكر «أبو الليبرالية المصرية»، بما يعكس موسوعية هذه القامة الفكرية وتعدد تأثيراتها في مسار الدولة والمجتمع.
هذا الحدث الفكري الهام يُجسّد معنى الوفاء للآباء المؤسسين للجامعة، ويعكس حرص إدارة الجامعة على تكريم الرموز الفكرية الكبرى التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الوطني المصري، وأسهمت بعمق في صياغة الفكر السياسي الحديث، وترسيخ تقاليد الصحافة الحرة، وبناء رؤية اجتماعية عقلانية تقوم على احترام حرية الفرد وصون كرامته الإنسانية.
وقد كان لي شرف رئاسة الجلسة الثانية من جلسات المؤتمر، والتي خُصصت لتناول الأبعاد السياسية والصحفية والاجتماعية في فكر «أستاذ الجيل»، وهي أبعاد تميّز فيها أحمد لطفي السيد تميّزًا استثنائيًا. فقد كان من أوائل من بلوروا مفهوم الليبرالية السياسية في السياق المصري، لا بوصفها نقلًا حرفيًا أو استنساخًا للنموذج الغربي، وإنما باعتبارها رؤية وطنية واعية، تنطلق من خصوصية المجتمع المصري وتاريخه وتركيبته الاجتماعية، ومن حاجته إلى الإصلاح التدريجي وبناء الإنسان قبل بناء المؤسسات.
واستطاع لطفي السيد، بحكمة فكرية نادرة، أن يربط بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات، وأن يجعل من القانون والعقل أساسًا للحكم الرشيد، ومن احترام التعدد والاختلاف مدخلًا لبناء الدولة الوطنية الحديثة. ولم يكن مفكرًا معزولًا عن واقعه، بل كان نموذجًا للمثقف السياسي الذي يسهم في الحياة العامة من موقع المفكر المستقل، المؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التعليم، ومن ترسيخ قيم الحوار والاختلاف السلمي، وهو ما تجلّى في مقولته التاريخية: «اختلاف الرأي لا يفسد للوطن قضية»، والتي تحولت إلى قاعدة أخلاقية للحياة السياسية والفكرية في مصر. فمهما اختلفنا في الرأي والتوجهات، يجب أن تعلو مصلحة الوطن على المصالح الشخصية الضيقة.
أما البعد الصحفي في تجربة «أستاذ الجيل»، فهو يعتبر أحد أهم أوجه عطائه الفكري، إذ كان من أوائل من تعاملوا مع الصحافة بوصفها أداة للتنوير العام، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار. فقد آمن بأن الصحافة شريك أساسي في بناء الوعي السياسي والاجتماعي، ومن خلال كتاباته الصحفية نشر قيم العقلانية، ودافع عن حرية الرأي، وواجه الفكر الجامد الموروث والخطاب الانفعالي البلاغي، وربط القارئ بقضايا الوطن الكبرى بلغة هادئة وحجج عقلية رصينة.
وقد شكّلت جريدة «الجريدة»، التي أسسها مع عدد من رفاقه، منبرًا للأفكار الليبرالية المستنيرة، وأداة لتنوير المواطن المصري وزيادة وعيه بحقوقه وواجباته. وكان لطفي السيد نموذجًا للصحفي المفكر، الذي يرى في الكلمة مسؤولية وطنية، وفي النقد وسيلة للإصلاح لا للهدم، وهو ما جعل تأثيره يتجاوز حدود الصحافة إلى المجال العام بأسره، مؤثرًا في أجيال متعاقبة من الكتّاب والمفكرين، وفي مقدمتهم طه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهما من أعلام الفكر المصري الحديث.
أما البعد الاجتماعي في فكر «أستاذ الجيل»، فقد مثّل بدوره نقطة تحول فارقة في النظر إلى قضايا المجتمع. فقد دافع مبكرًا عن حرية الفرد وكرامته، وحق المرأة في التعليم، وضرورة إصلاح البنية الثقافية للمجتمع عبر نشر المعرفة والعلم، معتبرًا أن النهضة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق دون تحرير العقل من الخرافة والتعصب والانغلاق. وكان يؤمن بأن التقدم الاجتماعي هو ثمرة مباشرة للحوار المفتوح، واحترام التعددية، وترسيخ قيم العقل، وهي مبادئ ما زالت تمثل أساسًا لأي مشروع تنموي حقيقي في الحاضر.
وقد أكدت كلمات المشاركين في الجلسة أن تأثير أحمد لطفي السيد لم يكن لحظة عابرة في تاريخ الفكر المصري، بل مسارًا ممتدًا أسهم في تشكيل الوعي الوطني الحديث، وفي ترسيخ تقاليد الدولة المدنية، والجامعة المستقلة، والصحافة المسؤولة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى أن يكون «أستاذ الجيل» أحمد لطفي السيد الشخصية المحورية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته القادمة، تبدو دعوة منطقية ومُلحّة، تأكيدًا على مكانته بوصفه أحد أعمدة التنوير والعقلانية في تاريخ مصر الحديث.
وختامًا، أُثمّن وأُشيد بقرار رئيس جامعة القاهرة أ.د. محمد سامي عبد الصادق إطلاق جائزة تحمل اسم «أستاذ الجيل» أحمد لطفي السيد، تخليدًا لاسم هذه القامة الفكرية الكبيرة التي ترأست جامعة القاهرة في بداياتها، وأسست القيم والتقاليد الجامعية التي ما زلنا نعتز بها ونستند إليها حتى يومنا هذا، بوصفها جزءًا أصيلًا من هوية الجامعة ورسالتها التنويرية.







