دكتور صبري الغياتي يكتب ..المؤتمر السادس والثلاثون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.. عرس ثقافي ومظهر حضاري
بقلم دكتور صبري الغياتي
انعقد اليوم الاثنين التاسع عشر من شهر يناير ٢٠٢٦م المؤتمر السادس والثلاثون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بفندق تيريومف بالتجمع الخامس تحت عنوان : (المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي)
ولأول مرة نجد هذا التنوع وهذا الجمال وهذا العمق في الفهم والعرض،
وكأنما يستمد الحدث جماله وروعته من القائمين عليه والمشاركين فيه على حد سواء،، فمن رئيس المؤتمر معالي الأستاذ الدكتور / أسامة الأزهري وزير الأوقاف يستمد المؤتمر عمقه العلمي، ومن ضيوف المؤتمر تجد التنوع في الفهم والتناول، وناهيك عن هذا الرجل : دكتور/ أسامة رسلان المتحدث الرسمي للوزارة الذي أبهر الجميع كعادته بتقديم يليق بوزارة الأوقاف بل يليق بمصر أم الحضارة والتاريخ، بل يليق بالأمة الإسلامية كلها روعة وفهما واقتصادا في الكلمات حتى يجد المتلقي نفسه في حاجة إلى طلب المزيد، وكان ذلك طابع المشاركين على تنوعهم واختلاف موادهم،، فتجد الجلسة الافتتاحية تحمل من العمق الفكري والتأصيل العلمي والتاريخي لموضوع المؤتمر، حيث ينطلق من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل والعلم والأخلاق والهوية والتنمية.
وهذا بعكس ما أشيع خطأً من أن أهل الصفاء لا يعرفون إلا التوكل والزهد وأن أغنياء الأمة يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة سنة دون البحث وراء حقيقة هذا الكلام، هنا يأتي هذا المؤتمر ليؤكد على أن الحق تعالى كما خلقنا للعبادة فقد خلقنا للعمارة، فالعمارة ثلث الدين إن لم تكن نصفه ، وعرض المتحدون للحديث عن المهن والحرف والصناعات، وأخلاق تلك المهن حتى نبني مجتمعا حضاريا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى
وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا: أن مضمون الشرع الشريف محاربة الفقر ومعاداته، فالفقر أعدى أعداء الأمة ، ولا علاج له سوى الاهتمام بالعمران والحرف والمهن والصناعات، كما حدث في عصر الإسلام الأول.
وبهذا يتكون الفهم المنضبط في الخطاب الديني الواعي الحكيم الذي ينادي بصناعة الغنى والكفاية والرخاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”
إن هذا المؤتمر يعد ركيزة أساسية في مشروع تجديد الخطاب الديني ضمن المحور الرابع لاستراتيجية وزارة الأوقاف، والذي هو صناعة الحضارة، وهو ما يعكس حرص قيادتها على التطبيق العملي لكل ما تتبناه من رؤى وتأكيدا منها على أن ذلك هو الطريق الحقيقي نحو بناء الإنسان المنوط به بناء الحضارات.
فالمؤتمر لا ينطلق من رؤية دعوية جوفاء ، بل من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل والعلم والأخلاق والهوية والتنمية.
واليوم إذ يقف العالم على أعتاب ثورة رقمية فائقة السرعة والأهمية والخطورة، يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العمل، وتتبدل مفاهيم الإنتاج والمهارات، وتتأكد الحاجة إلى استلهام الماضي بعمق، وفهم الحاضر ببصيرة، واستشراف المستقبل برؤية تستمد فهمها من قيم الشرع الشريف، وتستمد كذلك من أدوات العصر قوتها، لتقيم توازنًا بين الإنسان والتطور الرقمي من ناحية، وبينه وبين الأخلاق من ناحية أخرى .
بهذا الفهم، ومن هذا المنطلق، جاء انعقاد هذا المؤتمر ليعظم قيمة العمران والمهن من ناحية، ويعكس عمق الفهم عند علماء الأمة من ناحية أخرى ، ويدفع إلى محاربة الفقر وتعظيم قيمة الإنسان العامل، فتلك يد يحبها الله ورسوله . وستظل مصر برجالها المخلصين وعلمائها النابهين حراس الشرع وعلومه مصدر إلهام للبشرية كلها، فمصر بعلمائها مؤتمنة على علوم الشرع الشريف، تنير الدنيا بأنواره، وتلهم العالم بعلومه، وتعيد تاريخها الزاهر، لتظل بحق أم الدنا كلها،،
حفظ الله مصر وبارك في علمائها المخلصين.
دكتور صبري الغياتي مدير مكتب معالي الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية







