بقلم د. عبدالحليم قنديل
لم ينته الجدال بعد حول “خطة دونالد ترامب” الجديدة لإيقاف حرب أوكرانيا ، التى وصفت نسختها الأصلية ـ المكونة من 28 بندا ـ بأنها “قائمة أمنيات روسية “، وأن رجال “الكرملين” وراء صياغة نقاطها من الألف إلى الياء ، ووصفتها موسكو بأنها تصلح أساسا لمناقشات تحقيق السلام ، فيما كان غضب ورعب الرئيس الأوكرانى “فلوديمير زيلينسكى” ظاهرا معلنا ، وتعرض لتهديدات معلنة من الرئيس الأمريكى ، الذى أعطى أوكرانيا مهلة أيام قصيرة لقبول عرضه ، ثم عاد فخفف لهجته قليلا ، ووافق على عقد اجتماعات ومناقشات حول الخطة فى “جنيف” مع أوكرانيا والأوروبيين ، نزلت ـ فيما هو معلن ـ بنقاط الخطة إلى 19 بندا ، تجاوب معها “زيلينسكى” ، وخففت قطعية النصوص الحاسمة حول رفض إنضمام أوكرانيا فى المستقبل إلى حلف شمال الأطلنطى “الناتو” ، وجعلتها أكثر مرونة وقابلية للالتفاف عليها ، كما أعادت صياغة نصوص خفض عديد الجيش الأوكرانى ، ووجود قوات غربية على ما يتبقى من أراضى أوكرانيا بعد نهاية الحرب ، وشددت على الضمانات الأمنية الغربية المتاحة لأوكرانيا ، واجتذاب واشنطن للمشاركة النشطة فيها ، وجعلها فى مقام المادة الخامسة من ميثاق “الناتو” ، وإلزام الأعضاء بالانخراط المبا شر فى الدفاع عن “أوكرانيا” إذا هاجمتها روسيا مجددا ، فى حين تبقت المسألة الأخطر بلا وضوح ، وهى تلك المتعلقة بالتنازل الرسمى النهائى قانونا عن أراضى أوكرانيا التى سيطرت روسيا عليها ، وفتحت الباب لإمكانية مطالبة أوكرانيا باستعادة أراضيها بالوسائل الدبلوماسية لا العسكرية ، وتركت هذه النقطة الحساسة لمباحثات تجرى فى البيت الأبيض بين “زيلينسكى” وترامب شخصيا ، قد تعيد التذكير باجتماع التأنيب والإهانة الشهير الذى تعرض له الرئيس الأوكرانى فى نهايات فبراير 2025 .
ورغم أن روسيا لم تعلق رسميا بعد على تعديلات “خطة ترامب” الجديدة ، إلا أن التعليقات العابرة التى صدرت عن مسئولين روس ، خصوصا تلك المنسوبة لوزير الخارجية “سيرجى لافروف” ، تكشف عن رفض ظاهر للتعديلات الأوروبية والأوكرانية على الخطة الأمريكية المواتية لروسيا ، فقد شدد “لافروف” على أولوية الاتفاق الذى جرى بين الرئيس الروسى “فلاديمير بوتين” مع الرئيس الأمريكى فى قمة “ألاسكا” فى 12 أغسطس 2025 ، التى أنهت كل كلام عن البدء بوقف إطلاق النار وتجميد خطوط القتال ، وركزت على صياغة اتفاق سلام نهائى قبل بحث وقف إطلاق النار ، ورغم التقلبات المعتادة فى تصريحات “ترامب” ، وإعلاناته المتكررة عن إحباطه من تلاعب الرئيس الروسى به ، وتراجعه عن تدابير عقد قمة جديدة مع “بوتين” ، كانت مقترحة فى العاصمة المجرية “بودابست” خلال أكتوبر 2025 ، فى حين بدت التحركات الروسية مدروسة بعناية ، فبعد ما سرى من أحاديث عن إلغاء أو تأجيل القمة الموعودة ، كان ما تيسر من تصريحات “يورى أوشاكوف” مساعد الرئيس الروسى ، يكشف أن تواصل موسكو وواشنطن لم ينقطع ، ثم كان ما كان من ظهور المسئول الاستثمارى الروسى “كيريل ديمترييف” فى واشنطن ، ولقاءاته المتواترة الغامضة مع المساعدين المقربين شخصيا من “ترامب” ، ومع “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنير” بالذات ، وما تبين فيما بعد من مناقشة ورقة روسية غير رسمية حملها “ديمترييف” ، بدت كأساس لما أعلن أخيرا من “خطة ترامب” ذات الثمانية والعشرين نقطة ، التى سلمت لروسيا بأغلب مطالبها أو كلها تقريبا ، وبما فيها رفع العقوبات الغربية عنها ، وتضمنت ما يسميه “ترامب” تبادلا للأراضى ، وهو تعبير مخادع لفظيا ، فالأراضى التى يجرى تبادلها كلها أوكرانية ، ولا تعنى سوى التسليم لروسيا بكل الأراضى التى سيطرت عليها ، من شبه “جزيرة القرم” إلى مقاطعتى الدونباس (لوجانسك ودونيتسك) ، مع سحب القوات الأوكرانية من مدن تبقت بيدها غرب “دونيتسك” ، ودونما إشارة إلى ما سيطرت عليه روسيا فى مقاطعتى “زابوريجيا” و”خيرسون” شرق نهر “دنيبرو” ، وهو ما قد يعنى تجميد خطوط القتال الحالية .
وما جرى ويجرى بعد تسريب الخطة الأمريكية الجديدة والتعديلات عليها ، يظهر الفارق الشاسع بين دبلوماسية موسكو الاحترافية ، وبين دبلوماسية “ترامب” البهلوانية ، فالرئيس الأمريكى الحالى لا يقيم حسابا ولا وزنا لمؤسسات دولته الكبرى ، ولا يبدو على وفاق تام مع وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومى “ماركو روبيو” ، وقد كان الأخير من صقور مواجهة روسيا ، وكان منافسا سابقا ضد “ترامب” فى الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهورى ، وحوله “ترامب” إلى رجل لا يعلم شيئا عن طبيعة العلاقات مع موسكو و”بوتين” ، وقد تعرض “روبيو” إلى حرج مهين ، بعد أن نقل عنه عدم ارتياح لما يفعله “ترامب” مع الروس فى اجتماع مع قادة فى الكونجرس ، واضطر “روبيو” إلى تكذيب ما نقل عنه حفظا لماء وجهه ، بعد أن التف عليه “ترامب” وقفز على دوره ، ولجأ إلى الاعتماد على أصفيائه من المقاولين والأصهار من طراز “ويتكوف” و”كوشنير” ، ثم تخطى “ترامب” دور وزير دفاعه أو وزير حربه “بيت هيجسيت” ، ولجأ إلى “دانيال دريسكول” سكرتير الجيش الأمريكى ، وأرسله للضغط على الرئيس الأوكرانى لإقناعه بقبول الخطة ، وإلى لقاء عسكريين روس فى “أبو ظبى” ، وربما يطيح “ترامب” بوزير البنتاجون ووزير الخارجية قريبا ، تماما كما فعل بنظرائهم زمن رئاسته الأولى ، ويبدو “ترامب” عازما على التوصل لاتفاق يرضى “بوتين” ، ولأسباب كثيرة لا يزال بعضها ملتبسا ، فيما لا يمانع “بوتين” فى ترك الفرصة للرئيس الأمريكى ، ولكن من دون تقديم أى تنازل عن أهدافه ومطامحه فى حرب أوكرانيا ، وهى لم تتغير أبدا منذ قرار شن العملية العسكرية الخاصة فى 24 فبراير 2022 ، وقرار البرلمان الروسى “الدوما” بضم المقاطعات الأوكرانية الأربع (لوجانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون) إلى السيادة الروسية أواخر سبتمبر 2022 ، استنادا لما تسميه الدبلوماسية الروسية بحق تقرير المصير للناطقين باللغة الروسية فى أوكرانيا ، واستعادة أراضى روسيا المقتطعة منها بقرارات صدرت فى العهد السوفيتى ، وإسقاط الاعتراف الروسى السابق بحدود أوكرانيا فى “مذكرة بودابست” عام 1994 ، ووضع حد لزحف حلف “الناتو” إلى حدود روسيا ، ومنع “جورجيا” وبعدها أوكرانيا من الانضمام لعضوية “الناتو” ، حتى لو تطلب الأمر شن عمليات عسكرية محددة الأهداف ، كما جرى فى “جورجيا” عام 2008 ، وكما جرى ويجرى فى “أوكرانيا” عامى 2014 و 2022 .
وبعد نحو أربع سنوات من الحرب فى أوكرانيا ، التى واجهت فيها روسيا حلفا غربيا عالميا من 54 دولة ، وتعرضت القوات الروسية أحيانا لانتكاسات مفاجئة ، لكن الرئيس الروسى أدار مراحل الحرب بكفاءة وذكاء ، واستفاد كثيرا من تراث الحروب الروسية الوجودية الكبرى ، وفيها كان الروس ينهزمون وينهزمون ثم ينتصرون فى النهاية ، وهذا بالضبط ما فعله “بوتين” فى حرب أوكرانيا ، التى لم يضطر فيها إلى إعلان تعبئة عسكرية شاملة ولا حالة طوارئ عامة ، واستطاعت القيادة الروسية امتصاص أثر 24 ألف عقوبة غربية فرضت على اقتصادها متوسط الحجم دوليا ، ونسج “بوتين” شبكة تحالفات جديدة إلى شرق العالم وجنوبه ، وكون “حلف الشرق الجديد” استنادا إلى جدار قوة الصين العظمى ، وتقدمت قواته إلى أهدافها العسكرية بصبر وإصرار و”مفارم لحم” دموية مرعبة ، وتحولت بالتقدم العسكرى الروسى إلى حافة انتصار مطلق ، بدت معه خطة “ترامب” الأخيرة كأنها وثيقة تسليم نهائى بالانتصار الروسى ، وقد لا يتوقع أحد عاقل ، أن تقبل “موسكو” بأى تعديلات تخل بمعنى الانتصار الروسى العسكرى ، وهذا ما يدركه “ترامب” ، الذى يحرص على استرضاء “بوتين” ، بينما لا تبدو موسكو فى عجلة من أمرها ، وقد أعدت لاستمرار الحرب إلى سنوات مقبلات ، ونجحت فى استنزاف أمريكا والغرب الأوروبى مالا وسلاحا على الأراضى الأوكرانية ، وفى تفكيك عرى حلف واشنطن مع الحلفاء الأوروبيين المرهقين المنهكين ، ولن تقبل موسكو أبدا بأى وجود لقوات “الناتو” على أراضى أوكرانيا بعد الحرب ، فما من تفاوض جدى لا يستند إلى موازين السلاح على الأراضى أو يتخطاها .
وبالجملة ، فقد انتصرت روسيا عسكريا بيقين ، وتبدو قادرة على أن تكسب بالحرب ما تريده بالسياسة ، وهو ما يفسر معادلة موسكو الدقيقة السارية اليوم ، فالرئيس الروسى لا يريد أن يفوت ما قد تصح تسميته “فرصة ترامب” ، ولكن من دون التنازل عن أهدافه وتصوراته القومية الروسية ، ولا يضره أن يوقف الحرب قريبا ، إذا تحققت لروسيا كافة أهدافها المنظورة ، كما لا يضيره أن يتواصل القتال لشهور إضافية ، وقد تقدمت قواته خارج المقاطعات الأربع وشبه جزيرة القرم إلى مقاطعات “خاركيف” و”سومى” و”دنيبرو بيتروفسك” ، إضافة للقصف اليومى العنيف على “كييف” ومدن غرب أوكرانيا ومنشآت الطاقة وخطوط إمدادات الأسلحة الغربية ، وما من خيار آخر عند موسكو ، إلا أن يرفع الغرب فى أوكرانيا راية الاستسلام المعجل أو المؤجل .
[email protected]







