مقالات كبار الكتاب

عبد الوهاب خضر يكتب ..رسائل بالمقلوب

مقال بقلم عبد الوهاب خضر

كان العرب قديمًا يلجأون إلى حِيَلٍ لطيفة في مراسلاتهم، خاصة في أوقات الحروب أو حين يخشون أن تقع الرسائل في يد الأعداء…ومن بين هذه الحِيَل الطريفة أن تُكتب الرسالة بالمقلوب، أي تُكتب الكلمات من آخرها إلى أولها، فلا يفهمها إلا من يعرف السر أو من يجتهد قليلًا في قلبها…طريقة بسيطة لكنها ذكية، وفيها قدر من المرح أيضًا، وكأن الكاتب يغمز لقارئه قائلاً: “”اقلبها وستفهم” ..ولعل المثال الأشهر هو الجملة:” يبنلا يلع اولص”، التي تبدو في ظاهرها طلاسم غامضة، لكنها حين تُقلب تصبح جملة مألوفة جميلة: صلّوا على النبي.

والطريف أن هذه الفكرة القديمة يمكن أن تتحول إلى لعبة لغوية خفيفة الظل، فلو كتبنا مثلًا: “رصم بحن ” سنجدها بعد القلب: “نحب مصر”، ولو كتبنا “كقيفوتلاب كل ىنمتأ” ستتحول إلى:” أتمنى لك بالتوفيق”، أما “ليمج مويلا” فحين نقلبها تصبح: “اليوم جميل”… كلمات عادية جدًا، لكنها عندما تُكتب بالمقلوب تجعل القارئ يتوقف لحظة، يبتسم، ويبدأ في فك الشفرة الصغيرة..

ولو نظرنا إلى حياتنا قليلًا سنكتشف أن فكرة “الرسائل بالمقلوب” لم تختفِ، بل ما زالت موجودة ولكن بشكل آخر. فكثير من الناس يرسلون رسائلهم المعنوية بالمقلوب دون أن يدروا، يقول أحدهم: “الأمر لا يهمني”،بينما هو في الحقيقة مهتم أكثر من الجميع، ويقول آخر: “لا داعي للاعتذار”،وهو ينتظر الاعتذار منذ أول كلمة… كأن الحياة نفسها أحيانًا تتحدث معنا بالمقلوب، فنحتاج أن نقلب المعنى قليلًا حتى نفهم الرسالة الحقيقية.

وربما لهذا السبب تبدو الكلمات حين تُقلب أكثر طرافة وأقرب إلى القلب،فهي تذكّرنا بأن اللغة ليست مجرد حروف مصطفّة، بل لعبة جميلة فيها ذكاء وخفة ظل…. وربما كان أجدادنا يكتبون الرسائل بالمقلوب لحماية أسرارهم، لكننا اليوم نقرأها لنستمتع بذكائهم وبساطة الفكرة…

ولهذا أختم برسالة صغيرة على طريقة القدماء: اديعس نك… اقلبها فقط وستقرأها بسهولة: “كن سعيدًا”…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى