مقالات كبار الكتاب

دكتور محمود السعيد يكتب .. الجامعات بين المعرفة النظرية والواقع التطبيقي

بقلم أ.د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

في العالم المتقدم، انتهى عصر الجامعات حبيسة الجدران، محدودة الأثر، التي تُنتج معرفة لا يعلم بها إلا القليل من المتخصصين، ولا تجد طريقها إلى الواقع العملي والتطبيقي. كما أصبح في عصرنا الحالي من غير المقبول أن تقوم المؤسسات البحثية بإنتاج أبحاث لا تُترجم إلى قيمة اقتصادية أو أثر مجتمعي. وفي البلدان النامية، ما زالت الكثير من الجامعات بعيدة عن هذا المنهج العملي، ولا تزال هناك أسئلة تُثار دون إجابات مقنعة، مثل التساؤل الذي يطرحه رجال الصناعة ورواد الأعمال عن جدوى التعليم والبحث العلمي، طالما أن مخرجاتهما لا تسهم في الإنتاج والتنمية الاقتصادية.
لا يستطيع أحد أن ينكر الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، وهي أن جزءًا معتبرًا من مخرجات البحث العلمي في مصر ما زال موجهًا إلى الأغراض الأكاديمية الضيقة فحسب، مثل الترقي، وربما الوجاهة الاجتماعية، وليس بوصفه أداة للتطوير والتنمية. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية فيما يخص البحث العلمي في معظم أجزاء عالمنا العربي، وليس في مصر فقط، وهي تحديدًا الفجوة الواسعة بين ما يتم إنتاجه من معرفة، وما يحتاجه المجتمع من حلول لمشكلاته الملحة.

تعلّمنا من أساتذتنا أن القيمة الحقيقية للبحث العلمي لا يمكن أبدًا أن تُقاس بعدد الأوراق المنشورة، بل بقدرة الطرح البحثي على حل المشكلات الواقعية، وتطوير الإنتاج والصناعات، وخلق فرص عمل جديدة، والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة. فالبحث الذي لا يقدم رؤية لحل مشكلات المجتمع، ولا يسهم في سد احتياجاته الأساسية، لا يشعر به المواطن، ويظل محدود الأثر مهما كانت رصانة الطرح، ودقة الفروض، وسلامة التحليل، وصحة النتائج، وجودة الكتابة.
والتجارب الدولية الناجحة، مثل تجربة اليابان، هي أبلغ دليل على أن الأمم لا تنجح إذا اكتفت بإنتاج المعرفة دون أن تُحسن توظيفها. فبعد الحرب العالمية الثانية، قدمت اليابان درسًا بالغ الدلالة للعالم كله؛ إذ تعافت من ركام الحرب ونهضت من أنقاض القنابل الذرية، ولم يكن تعافيها قائمًا فحسب على الموارد الاقتصادية ومساعدات الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بقدر ما كان قائمًا على توظيف البحث العلمي لتطوير الصناعة وإنتاج تنافسي عالي الجودة. وقد تبنت الجامعات اليابانية آنذاك مفاهيم حديثة في الجودة والإدارة، وتحولت الأفكار البحثية إلى تطبيقات صناعية، ولم تمضِ سوى سنوات معدودة حتى أصبحت منتجاتها تغزو الأسواق العالمية بجودتها وكفاءتها، فوجدنا السيارة اليابانية تنافس الأمريكية في نيويورك وواشنطن بسبب الجودة المرتفعة للأولى مقارنة بالثانية. إن هذا النجاح الكبير لم يكن أبدًا وليد الصدفة، بل كان نتاج إرادة واضحة لتكامل الجامعة مع المصنع، والعلم مع الإنتاج، والباحثين مع رجال الصناعة والأعمال، وهي المعادلة الأهم التي لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام جامعاتنا حتى اللحظة.

وتعي الدولة المصرية أن هذا التكامل هو الطريق الصحيح لتحقيق أقصى استفادة من مخرجات البحث العلمي، فخطت خطوة مهمة في هذا الاتجاه عام 2018 بإصدار قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم 23، الذي أتاح للجامعات والمراكز البحثية تأسيس شركات يمكن من خلالها استثمار المعرفة ومخرجاتها البحثية. ومع ذلك، يبقى التحدي في قدرة الجامعات على استغلال هذا القانون على الوجه الأمثل لتحقيق الهدف المنشود، وهو التكامل بين البحث العلمي والصناعة؛ فالتشريعات، مهما بلغت جودتها، ستظل محدودة الأثر ما لم تُفعَّل بإرادة مؤسسية حقيقية.

إن ربط البحث العلمي بالصناعة لم يعد خيارًا، بل يجب أن يكون منظومة متكاملة تتبناها الجامعات، تقوم على شراكات حقيقية مع مجتمع الصناعة والأعمال، من خلال مراكز بحث وتطوير مشتركة، وتمويل موجه لحل المشكلات الفعلية، إلى جانب وجود تشريعات قوية لحماية الملكية الفكرية. كما يتطلب هذا الربط الانتقال من مرحلة الشعارات والكلام النظري إلى مرحلة التطبيق الفعلي، ومن الأوراق البحثية المنشورة إلى نماذج أولية وبراءات اختراع، ثم إلى خطوط الإنتاج.

وقد كانت جامعة القاهرة سبّاقة في تبني هذا التوجه، من خلال دعمها للمشروعات البحثية التطبيقية، وتوفيرها لمصادر تمويل متنوعة، وتشجيعها على إقامة شراكات مع القطاع الصناعي، وحرصها على تمكين الباحثين من تحويل أفكارهم إلى تطبيقات واقعية، وهو ما انعكس على تصنيفها الدولي وسمعتها الأكاديمية المتميزة.

إن التحديات الاقتصادية التي يواجهها عالمنا اليوم تجعل إعادة ترتيب أولوياتنا واجبًا ملحًا. فلم يعد من المقبول إنفاق الموارد على أبحاث لا تعود بعائد، حتى وإن نُشرت في أرقى المجلات الدولية، كما لا يمكن الحديث عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة دون أن يكون اقتصادنا قائمًا على المعرفة ومخرجات البحث العلمي. إن كل جنيه يُنفق على البحث العلمي يجب أن يكون استثمارًا، لا مجرد تكلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى