بقلم عبد الحليم قنديل
قبل أسابيع طويلة مرهقة بتطوراتها اللحظية ، كتبت ونشرت فى هذا المكان نفسه مقالا بعنوان “لن تسقط إيران بالحرب المحتومة” ، كان المقال بتاريخ 7 فبراير 2026 ، وقلت فيه أن النظام الإيرانى لن يسقط حتى لو اغتالوا “خامنئى” ، وفى نهاية شهر فبراير ، جاءت الضربة الكبرى المحتومة ، وبدت كاسحة مدمرة لقيادة النظام مجتمعة فى مكان واحد ، وراح ضحيتها عشرات من القادة الكبار، أولهم القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية “على خامنئى” ، بدت النتيجة الأولى مزلزلة ، خصوصا أنه لم يكن من محل للمفاجأة العسكرية هذه المرة ، ولا لترك رأس النظام فى عراء مكشوف ، مع ما بات معروفا من كثافة وعمق الاختراقات الاستخباراتية للوضع الإيرانى ، والتواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية ، لكن النظام الإيرانى أثبت أنه أبعد وأوسع من رأس المرشد الأعلى ، وجاء الدور على نقاط القوة بعد مظاهر الضعف ، وكان المخطط الإيرانى ، كما أعلن مرات على لسان المرشد الراحل نفسه ، أن أى ضربة حتى لو كانت خاطفة ، ستواجه بحرب واسعة ممتدة زمانا ومكانا ، تستخدم فيها إيران ذخيرتها الأقوى من المسيرات والصواريخ الباليستية .
وهكذا كان اتساع رقعة الرد الإيرانى شبه الفورى ، الذى تضمن أخطاء فى التقدير السياسى ، من نوع التوسع فى مهاجمة دول عربية خليجية مجاورة ، وعلى نحو تعدى ضرب مصالح أمريكا وقواعدها العسكرية فى الجوار ، وإن كان التوسع ـ على مضاره ـ رفع تكلفة الحرب على العدو الأمريكى “الإسرائيلى” ، وقاد إلى تكلفة دم وطائرات أمريكية سقطت ، إضافة إلى خسائر دم ودمار داخل كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، زادت فيما بعد مع انضمام “حزب الله” إلى الحرب ، وما تكشف من صلابة تكوينه العسكرى ، ودقة صواريخه الأكثر تطورا ، وبالذات صواريخه المضادة للدروع إيرانية المنشأ ، التى أوقعت قتلى وجرحى فى صفوف الجيش “الإسرائيلى” عند الحدود اللبنانية ، ثم ظهرت صواريخ “حزب الله” الباليستية الدقيقة ، التى جرى تنسيق إطلاقها مع صواريخ إيران الفرط صوتية الانشطارية بالذات ، وبدت النتائج مؤثرة على جبهة العدو “الإسرائيلى” ، مع تدمير دقيق لمحطة اتصالات “إسرائيلية” كبرى مع الأقمار الصناعية .
وقد لا يستطيع عاقل أن يقلل من حجم الخسائر والدمار فى إيران أو فى لبنان ، ولا من اضطرار أكثر من 700 ألف لبنانى جنوبى إلى النزوح الموقوت ، وإن لوحظ أن الاختراق الخطر المشكو منه فى كيان “جزب الله” ، لم يصل إلى نخاع شبكته العسكرية المحكمة فائقة التنظيم ، فقد كان من آيات الحرب الجارية ، أن “حزب الله” المحاصر المعتصر المستنزف المطارد بجنون على مدى خمسة عشر شهرا سبقت ، قد بدا وكأنه يستعيد كثيرا من وهجه التاريخى ، وبدا مقاتلوه وكأنهم ينبتون كأشجار الصبار على حافة الحدود مع العدو ، ويخوضون معارك مذهلة مع فرق المئة الألف جندى “إسرائيلى” المحتشدة لتنفيذ غزو برى شامل فى الجنوب اللبنانى ، ويديرون مذابح لدبابات “الميركافا” “الإسرائيلية” ، رغم سوابق إعلان نزع سلاح الحزب وتدمير أنفاقه على مساحة ألف كيلومتر جنوب نهر الليطانى ، ثم بدت جاهزية ويقظة المقاتلين ملهمة فى “البقاع” ، مع محاولات الإنزال “الإسرائيلى” بعشرات الطائرات المروحية فى قرية “النبى شيت” عند سلاسل الجبال الشرقية والحدود مع سوريا ، ثم إنذار قطعان الساكنين فى مستوطنات الشمال الفلسطينى المحتل بالخروج والإخلاء ، كانت عودة “حزب الله” عفية إلى ميادين القتال ، التى أرادوا جعل إيران ميدانها الحصرى ، فامتدت الجبهة إلى لبنان ، وقد كان محلا لعدوان لم يتوقف يوما منذ الاتفاق على ما أسمى وقف إطلاق النار فى 27 نوفمبر 2024 ، وجاء دخول الحزب إلى الحرب ثأرا لكرامة لبنان المهدرة ، وليس فقط ثأرا لدم الولى الفقيه “على خامنئى” .
بدت تطورات الحرب المتسارعة كأنها تطبيق لخطة الراحل “خامنئى” نفسه ، ونشرا لأطواق النار على أوسع مساحة ، وإشغالا للعدو الأمريكى “الإسرائيلى” على جبهات متعددة ، ربما يزيد اتساعها مع انضمام “الحوثيين” الوارد فى أى وقت ، خصوصا بعد الصمود القوى للداخل الإيرانى ، الذى تجتاحه القاذفات “الإسرائيلية” الأمريكية على مدار الساعة ، وبكل ما تملكه الجيوش الأمريكية بما فيها الجيش “الإسرائيلى” ، وحتى بأسراب القاذفات النووية “بى ـ 1″ و”بى ـ2″ و”بى ـ 52” بقنابلها الثقيلة الخارقة للتحصينات ، وبكل الضربات الأشد التى هدد بها جنرالات ووزارة الحرب الأمريكية ، لكن المشهد الشعبى بدا منطويا على مفارقة بليغة ، شوارع المدن الإيرانية الكبرى تحت القصف شبه النووى ، راحت تموج بالتظاهرات المليونية المؤيدة لنظام قطع رأسه ، بينما شوارع كيان الاحتلال تبدو مهجورة ، وملايين السكان “الإسرائيليين” فى الملاجئ خوفا من شظايا الصواريخ الإيرانية واللبنانية ، وأكثر من عشرة آلاف غارة أمريكية “إسرائيلية” ، لم تدفع الإيرانيين للاختباء ، رغم أن عدد الضحايا الإيرانيين جاوز الألفى شهيد مدنى فى أقل تقدير إلى الآن ، بينما يموت الإسرائيليون فى جلودهم مع صفارات الإنذار التى لا تتوقف من شمال فلسطين المحتلة إلى الجنوب فى غلاف “غزة” ، فقد أدار الإيرانيون مخزونهم من الصواريخ والمسيرات بذكاء وبراعة ، وبطريقة تقترب من المسار الذى اتبعوه فى حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ، وبتدرج فى استخدام الصواريخ من الأقدم إلى الأحدث ، وفتح ثغرات تتسع فى حوائط الدفاع الجوى وقصف الرادارات الأمريكية “الإسرائيلية” ، ثم الانتقال إلى استخدام الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية الأكثر دقة فى إصابة الأهداف المطلوبة ، وهو التكتيك الذى بدا أكثر انتظاما وتلاحقا مع انتخاب القائد الأعلى الجديد “مجتبى خامنئى” خلفا لوالده .
كان اختيار “مجتبى” فى ذاته ملحمة دارت تحت حمم النار ، إدعت إسرائيل فى البداية أنها قصفت مقر اجتماع “مجلس خبراء القيادة” المخول بانتخاب خليفة المرشد ، وأنها اغتالت كل أعضاء المجلس بضربة واحدة ، ثم تبين أن ما زعمته “إسرائيل” كان كذبة انفضحت ، واستطاع الإيرانيون تدبير عقد الاجتماع فى غير مقره الرسمى ، وأداروا مناقشات مستفيضة حول أسماء متعددة ، وكانت المفاجأة ـ بحسب مصادر إيرانية ـ أنهم اختاروا “خامنئى الإبن” بأغلبية الأصوات ، وبعدد 54 صوتا من 73 عضوا شاركوا باجتماع المجلس المكون من 88 رجل دين منتخبا شعبيا ، وكان اختيار “مجتبى” صفعة للرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، الذى خوف وحذر مرات من تنصيب “ابن خامنئى” مرشدا إيرانيا عاما ، وكأن اغتيال “خامنئى” الأب كان بلا جدوى ، فقد انتقل النظام من قيادة “خامنئى” العجوز ـ 86 سنة ـ إلى اختيار “خامنئى” الإبن وعمره 56 سنة ، وكأن الحرب كلها كانت سرابا ، أو أنها أتت بأثر عكسى تماما ، ورغم تعهد أمريكا و”إسرائيل” بقتل “مجتبى” كما جرى لأبيه ، إلا أن “خامنئى الإبن” يبدو أكثر حذرا واحتياطا ، ثم أن قتله لا يعنى سقوط النظام بالضرورة ، فبإمكان الإيرانيين دائما اختيار مرشد آخر ، إن لم يكونوا اختاروا فعلا قائمة مرشدين متسلسلين ، ثم أن التعقيد الخاص ببنية النظام الإيرانى ، لا يجعل للأشخاص بذواتهم قيمة فاصلة ، وكل قائد إيرانى له أربعة بدائل ، يحل أحدهم محل سابقه فور استشهاده ، وهو ما أظهرته التجارب العينية المتوالية فى أزمنة الحرب بالذات ، وللنظام الإيرانى معارضات متنوعة المصادر سياسيا واجتماعيا وعرقيا ، لكن النظام بعد 47 سنة من ثورة “الخمينى” ، يرتكز على قاعدة تأييد صلبة لا تزال فعالة ، وكثير من المعارضين فى زمن الحرب الجارية تحولوا إلى التأييد ، بينما لا يستطيع العدو الأمريكى “الإسرائيلى” استنفار قطاعات تذكر من الشعب الإيرانى ضد النظام .
وصحيح أن الحرب لم تنته بعد حتى وقت كتابة هذه السطور ، وأن “ترامب” الهائج قد يقدم على ضربات يائسة ، من نوع احتلال مضيق “هرمز” أو جزيرة “خارك” عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، أو الاندفاع إلى تدمير شبكات المياه والكهرباء بعد إحراق “إسرائيل” لخزانات وقود ، لكن هذه المخاطرات كلها ، لن تدفع الشعب الإيرانى لركوع ولا لاستسلام ، بل تزيد مآزق “ترامب” نفسه ، الذى يستشيط غضبا من تذبذب أسعار البترول والغاز الطبيعى فى السوق الدولية ، وميلها الإجمالى إلى الارتفاع ، وتضاعف توقعات بزيادة أسعار برميل البترول الخام إلى 150 وربما إلى 200 دولار ، وهو ما يزيد من الضغوط الدولية لوقف الحرب ، وربما تتحول مجازفة “ترامب” فى مضيق “هرمز” إلى كارثة أوسع نطاقا ، تحقق هدف إيران فى رفع تكلفة الحرب إلى أقصى مدى عالمى ، وتصدر الأزمة رأسا إلى الداخل الأمريكى ، الذى يعارض الحرب بنسبة تزيد إلى 65% من الرأى العام ، وبما قد يدفع “ترامب” الخائف على شعبية حزبه الجمهورى فى انتخابات تجديد الكونجرس فى نوفمبر المقبل إلى الانسحاب من الحرب على عجل ، وتطليق أوهامه ورهاناته الخائبة فى إيران .
[email protected]







