مقالات كبار الكتاب

دكتور صبري الغياتي يكتب .. مدخل إلى القرآن الكريم (الحلقة الرابعة)

السر في اختيار هذا البناء (قرآن) علماً لهذا الكتاب الكريم...

بقلم دكتور صبري الغياتي

الحلقة الرابعة من حلقات
المدخل إلى فهم القرآن الكريم
السر في اختيار هذا البناء (قرآن) علما لهذا الكتاب الكريم…

وذلك أنه يقرأ بطريقة مخصوصة من حيث مراعاة مخارج الحروف وصفاتها والقدر المحدد في الغنة ولكل مد عدد حركات تختلف عن غيره ، فهناك المد الطبيعي، والمد المتصل والمنفصل والعارض للسكون واللازم بنوعيه، وغير ذلك من أحكام التلاوة والقراءة لهذا القرآن الحكيم.

وينبغي أن نؤكد هنا على عدة أمور:
الأمر الأول: أن هذه الطريقة من القراءة طريقة محكمة توقيفية تلقاها النبي (صلى الله عليه وسلم) عن جبريل عن رب العزة تبارك وتعالى، ثم تلقاها عنه الصحابة رضوان الله عليهم ، ثم التابعين وتابعي التابعين وهكذا إلى يوم الناس هذا ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي الترتيل الذي قال عنه الحق تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}[الفرقان:32]، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ونحن من ورائه: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}[المزَّمل:4]، وهي القراءة بإخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه من الصفات الذاتية والعرضية مما هو مبسوط في كتب التجويد وأحكام التلاوة.

الأمر الثاني: أن هذا الترتيل خاص بالقرآن الكريم لا يشاركه فيه غيره من الكتب، فلا يصح أن نرتل كتابا من الكتب كما نرتل القرآن الكريم، فقد نعى القرآن الكريم نفسُه على اليهود والنصارى أنهم يلوون ألسنتهم بكلام أدخلوه في كتبهم ليس منها، بغرض إدخال ما ليس من الكتاب في الكتاب المنزل من عند الله تعالى، قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون}[آل عمران:78]، وعلى ذلك فلو أن إنسانا أقدم على قراءة غير القرآن كما يقرأ القرآن لكان مدخلا في القرآن ما ليس منه، كما أنه لو أن إنسانا تعمد أن يقرأ القرآن من غير أحكامه مع علمه بها لكان محرفا للكلم عن مواضعه، فلا يجوز أن ندخل في القرآن ما ليس منه، وكذا لا يجوز أن نقرأ القرآن الكريم بغير الطريقة المعهودة في الأداء، لأن ذلك من خصوصيات القرآن الكريم.

الأمر الثالث: أن لهذه الطريقة في الأداء بالأحكام والتجويد دلالة ومدخل في الإعجاز والمعنى، فلا تظنن أنها مجرد تحريك اللسان بالأصوات أو تغن فارغ من المضمون والمعنى… كلا .. فإن لكل حركة وكل همس وكل تفخيم وكل ترقيق وغنة ومد دلالة ومعنى في الأداء القرآني، وهو كذلك له مدخل في الإعجاز، وهذا الكلام يحتاج إلى شيء من الشرح والتفصيل والبيان نخصه بحلقة خاصة في هذا المدخل إن شاء الله تعالى.

دكتور صبري الغياتي مدير مكتب معالي الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى