مقالات كبار الكتاب

أحمد نجم يكتب .. دول الخليج و التحلي بضبط النفس

بقلم
أحمد نجم

أحسنت دول الخليج في عدم الرد على ما تقوم به إيران من الاعتداء عليها، وتحليها بمسار ضبط النفس والحكمة في عدم التسرع في عمل عسكري يتصدى لما تقوم به إيران من اعتداءات عسكرية على أراضيها، وذلك لحكمة بالغة الدقة، بتجنب السقوط في حرب إقليمية قد لا تستطيع دول الخليج مواجهتها.

الحقيقة أن دول الخليج كانت تعارض أي اعتداء من أمريكا وإسرائيل على إيران من خلال استخدام القواعد الأمريكية في أراضيها، وهذا موقف يُحسب لهذه الدول، لحرصها على العلاقات بين البلدين وتفضيل الحلول السلمية والتفاوضية على الخيار العسكري، وهذا ما حدث من خلال قيام عُمان بدور الوسيط بين الصهيوأمريكية وإيران.

غير أن الخداع الذي قامت به الصهيوأمريكية أثناء سير المفاوضات، وقيامها بالبدء بتوجيه ضربات إلى الأهداف الإيرانية العسكرية والمدنية فجر السبت 28 فبراير الماضي بدعوى عدم الوثوق في المفاوض الإيراني في الوصول لحقيقة التخصيب الذي تقوم به إيران، وذلك ضمن عملية سُميت الغضب الملحمي التي تهدف لتدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، وكذلك إسقاط النظام الحاكم.

إيران وجدت نفسها أمام خيارين، الأول: إطلاق الصواريخ على إسرائيل وهي المحرك الرئيسي في الاعتداء عليها، والثاني: هو القيام بعمليات عسكرية ضد القواعد الأمريكية في دول الخليج، نظراً لصعوبة القيام بمهام عسكرية داخل أمريكا لأسباب كثيرة أهمها طول المسافة وقوة الدفاعات الأمريكية أيضاً. واستغلت الصهيوأمريكية الاعتداءات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج وبعض الأهداف المدنية الأخرى، وحاولت أن تثبت صدق ما أعلنته من خطورة الأسلحة الإيرانية الصاروخية على دول المنطقة، خاصة إن الصواريخ الإيرانية أصابت أهدافاً أخرى مدنية بخلاف القواعد الأمريكية.

المبرر الذي تسوقه إيرانمن أن الاعتداءات العسكرية الإيرانية موجهة فقط للقواعد الأمريكية باعتبارها أراضٍ أمريكية نظراً لوجود قواعدها بها، لم يرق لقادة دول الخليج حتى بعد تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقيامه بالاعتذار لدول الخليج عن الاعتداءات التي قامت بها القوات الإيرانية ضد دول الخليج، وأكد أنه أمر القوات الإيرانية بعدم التمادي في الضربات العسكرية لدول الجوار، ما لم تنطلق هجمات ضد إيران من أراضيها.

غير أن إيران قد خسرت كثيراً في هجماتها على دول الجوار، خاصة على المستوى السياسي والدبلوماسي، وخسرت أيضاً تعاطف كثير من الدول. فمن قبل كانت إيران تواجه فقط عدواً واحداً مشتركاً متمثلاً في الصهيوأمريكية، لكنها الآن تواجه عداوة دول الجوار التي قامت بالاعتداء عليها، وأعتقد أنه من الصعب إعادة العلاقات بينهم قبل عدة سنوات، وسوف تكون المخاوف بينهم قائمة من تكرار عدم الوفاء بالوعود التي قطعتها إيران على نفسها من قبل بعدم مهاجمة دول الخليج.

وبقدر ما تعرضت له دول الخليج من ضربات أصابت سيادتها، إلا أن الحكمة التي تحلت بها في عدم الرد العسكري كانت لتجنب حرب إقليمية مدمرة للمنطقة، وأيضاً عدم الانصياع للمؤامرة الإسرائيلية بتوسيع نطاق الحرب، بالإضافة لحرص دول الخليج على ضمان أمنها واقتصادها.وبات التمسك بخيار تفادي الحرب والتعامل من خلال الدبلوماسية أساساً لإمكانية خفض التوتر بدلاً من الصدام العسكري، خاصة في ظل اتفاقية التعاون المشترك التي تم توقيعها عام 2023 بين بكين والسعودية وإيران، وهو ما احترمت بنوده السعودية، وتحلت من جانبها بضبط النفس وعدم الرد العسكري. وكان لبكين دور هام خلال الساعات الماضية في التوسط بين البلدين لخفض التصعيد واحترام الاتفاقيات، وعدم الانسياق في فخ توسيع نطاق الحرب، لإجبار أمريكا على خفض التصعيد على إيران.

وإذا كان المبرر لضرب إيران امتلاكها لقدرات نووية، فإن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تقدر بأكثر من 90 رأساً حربياً، وتتعامل بمنطق الغموض النووي، فهي لا تؤكد قدراتها النووية ولا تنفيها. وكذلك ترفض إسرائيل التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وترفض أيضاً السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها، ولا تستطيع الوكالة الدولية اتخاذ إجراء تجاهها كما فعلت مع إيران، ومن قبل العراق وسوريا وكثير من الدول التي لا تخضع للحماية الصهيوأمريكية.

الموقف المصري في الصراع الدائر جاء متسقاً مع المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية، إذ أعرب السفير بدر عبد العاطي وزير الخارجية عن رفض مصر القاطع للاعتداء على سيادة أي دولة، وإدانة الاعتداءات على إيران وكذلك إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وضرورة احترام سيادة كل دولة على أراضيها.

إسرائيل قامت بتوريط أمريكا في بدء الحرب على إيران، كما يقول بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وأن ترامب انساق لرغبات نتانياهو في ضرب إيران، ومحاولة الزج بدول الجوار في الحرب لتشتعل المنطقة، ويكون الدور الرئيسي لإسرائيل هو إعادة تشكيل المنطقة حسب مصلحتها.

ما لم نتحد ونحاذر من محاولات جر المنطقة لحروب مدمرة، ستحاول الصهيوأمريكية مجدداً خلق صراعات أخرى بين دول المنطقة بدعاوى كاذبة لتظل تستقوي وتضعفنا.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى