بقلم د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
شهدت الدولة المصرية بعد ثورة يوليو 1952 جهودًا متواصلة لمواجهة مشكلة الأمية الأبجدية بين المواطنين، وذلك إدراكًا لخطورة هذه الظاهرة وتأثير انتشارها على مسارات التنمية الشاملة والمستدامة. توضح الإحصاءات أن نسبة الأمية الأبجدية في مصر كانت قبل عام 1952 تتجاوز 80% من السكان، وهو ما كان يمثل أكبر المعوقات أمام التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للدولة المصرية. ومع مرور السنوات وتكثيف الجهود من خلال تشريع التعليم الإلزامي ومبادرات محو الأمية، نجحت الدولة في الوصول بنسبة الأمية إلى نحو 16% في عام 2024، مع وجود بعض الفوارق الكبيرة بين نسب الأمية في الريف والحضر وكذلك بين الذكور والإناث. ورغم ما تحقق من تقدم ملموس، فإن مستوى 16% أمية لا يزال مستوى مرتفع نسبيًا إذا ما قورن بالعديد من دول العالم، وهو الأمر الذي يتطلب استمرار تكثيف الجهود وتكاملها من أجل الوصول إلى مجتمع مصري خالٍ تمامًا من الأمية.
وبعيدا عن الأمية الأبجدية، فإن العالم اليوم يشهد نوع آخر من الأمية بفعل الثورة الرقمية والتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو نوعًا لا يقل خطورة عن الأمية التقليدية، وهو ما يُعرف بالأمية الرقمية. فالأمية في عصرنا الحالي لم تعد مقتصرة على عدم قدرة الفرد على القراءة والكتابة، بل امتدت لتشمل عدم قدرته على التعامل مع الوسائل التكنولوجية الحديثة، واستخدام التطبيقات الرقمية، والاستفادة من الخدمات الإلكترونية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.
وتكمن خطورة هذا النوع الجديد من الأمية في أنها تتسبب في عدم استفادة قطاع كبير من المواطنين من ثمار التحول الرقمي، خاصة فئات كبار السن وبعض الفئات التي لم تحصل على قسط كافي من التعليم أو التدريب التكنولوجي. فعدم قدرة هؤلاء المواطنين على استخدام الهواتف الذكية أو التطبيقات الحكومية أو الخدمات المصرفية الإلكترونية يحد من قدرتهم على التفاعل مع متطلبات العصر الجديد الذي نعيشه.
وإذا تحدثنا عن أهمية محو الأمية الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي تحديدًا، فهناك أهمية قصوى للوعي الرقمي في هذا العصر بوصفه مهارة أساسية في التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. إن التعامل مع هذه التطبيقات لم يعد حكرًا على المتخصصين، بل أصبح جزءًا من استخدامنا اليومي في مجالات متعددة مثل التعليم والصحة والخدمات الحكومية والتجارة الإلكترونية. هذا التطور التكنولوجي يتطلب أن يمتلك المواطن حدًا أدنى من المعرفة الرقمية التي تمكنه من التعامل من خلال هذه التطبيقات بشكل آمن وفعال، وكذلك تمكنه من التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة التي قد تنتشر عبر الفضاء الرقمي. وفي الحقيقة فإن الوعي الرقمي لا يعني مجرد القدرة على استخدام التكنولوجيا، بل يعني أيضًا الوعي بأبعادها الأخلاقية والمعرفية، والقدرة على التعامل معها بالتزام ومسؤولية، بما يحفظ خصوصية الأفراد ويحمي المجتمع من مخاطر التضليل الرقمي والجرائم الإلكترونية.
إن اتساع الفجوة الرقمية بين المواطنين يجعل كثيرا منهم فريسة سهلة لجرائم الاحتيال الإلكتروني، حيث يستغل محترفو الجرائم الإلكترونية ضعف الوعي الرقمي لديهم للإيقاع بهم عبر الرسائل الاحتيالية أو التطبيقات المزيفة أو أساليب الخداع المختلفة عبر الإنترنت. ومن ثم فإن الأمية الرقمية لا تمثل فقط عائقًا تقنيًا، بل قد تتحول إلى تهديد اجتماعي وأمني إذا لم يتم التعامل معها بجدية.
ولا تقتصر آثار الأمية الرقمية على المجتمع فقط، بل تمتد لتشكل عائقا أمام تطوير الجهاز الإداري للدولة. فنجاح خطط التحول الرقمي وتحديث الخدمات الحكومية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة العاملين في المؤسسات المختلفة على استخدام التكنولوجيا الحديثة بكفاءة. وفي ظل وجود أعداد كبيرة من الموظفين الذين لم يحصلوا على التدريب الكافي للتعامل مع الأنظمة الرقمية، يصبح من الصعب تنفيذ خطط رقمنة الخدمات بالسرعة والكفاءة المطلوبة، ويظل اعتمادهم على التعامل الورقي الذي تجاوزه الزمن هو أحد أكبر التحديات التي تعوق التطوير الإداري في مصر.
وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن نسبة الأمية الرقمية في مصر قد تصل إلى نحو 69%، وهذا الرقم إذا كان حقيقيا، فإنه يعكس حجم التحدي الذي يواجهنا في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كنا قد نجحنا خلال العقود الماضية في تحقيق تقدم ملحوظ في مجال محو الأمية الأبجدية، فإن المرحلة القادمة تتطلب جهدًا أكبر لمواجهة الأمية الرقمية، باعتبار أن الوعي الرقمي هو أحد متطلبات الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي هذا السياق يقترح البعض إطلاق مشروع قومي متكامل لمحو الأمية الرقمية بين المواطنين بهدف تمكينهم من اكتساب المهارات الأساسية للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة ونشر ثقافة الوعي الرقمي بينهم، وتعزيز مهاراتهم في الاستخدام الآمن للإنترنت، وتعريفهم بكيفية الاستفادة من الخدمات الرقمية المختلفة في التعليم والصحة والمعاملات الحكومية والخدمات المصرفية وغيرها. ومن خلال هذا المشروع القومي قد يكون من المناسب أن تتضمن برامج محو الأمية التي تُنفذ في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا محورًا خاصًا بمحو الأمية الرقمية، بحيث يتم دمج تعليم القراءة والكتابة مع تعليم المهارات الرقمية الأساسية، مثل استخدام الهواتف الذكية والتعامل مع التطبيقات الحكومية والمنصات الإلكترونية، وكذلك التطبيقات الذكية الحديثة. فالأمية في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الجهل بالمعرفة التقليدية، بل أصبحت تشمل كذلك عدم القدرة على التفاعل مع العالم الرقمي بكفاءة وثقة.
وفي الختام نؤكد أن بناء مجتمع رقمي واعٍ أصبح ضرورة حتمية لمواكبة متطلبات العصر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. فالمواطن القادر على استخدام التكنولوجيا بوعي هو مواطن أكثر قدرة على التعلم والعمل والإنتاج، وأكثر استعدادًا للمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل وطنه.
ولهذا فإن الاستثمار في محو الأمية الرقمية يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل المجتمع، وخطوة أساسية نحو بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.







