بقلم د. علي محمد جارالله
فاجأ السفير الأمريكي هاكابي العالم بأن لإسرائيل الحق في التوسع واحتلال بلاد العرب من البحر الى النهر.
من هو هاكابي؟
سياسي أمريكي معروف بخلفيته الإنجيلية الداعمة لإسرائيل، وهذا التوجه يمثل تياراً لاهوتياً مسيحياً، وليس موقفاً قانونياً دولياً.
هاكابي معروف بدعمه القوي لإسرائيل من منظور ديني توراتي مسيحي.
ويرى أن للكنيس اليهودي حقاً تاريخياً ودينياً في الأراضي الفلسطينية، بما فيها مناطق الضفة الغربية والقدس.
هو يركز على ربط السياسة الأمريكية بمعتقداته الإنجيلية، ودعم المستوطنات الإسرائيلية والسيطرة على القدس.
تم تعيينه كسفير من قبل دونالد ترامب وذلك بعد انتخاب ترامب في 2024م، وذلك لتحجيم اي إنتقاد امريكي للإنتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
هو لم يشغل اي منصب رسمي كسفير في اسرائيل او منصب دبلوماسي مماثل في اي دولة، وله نشاط اعلامي وديني داعم لإسرائيل.
نتساءل هل اعطى الله الحق لليهود في التوراة ان يحتلوا ارض العرب في فلسطين، ويقول العلماء ان هناك تغيير في نصوص التوراة، فيكتبون من عند أنفسهم ما يشتهون وينسبونه إلى الله تعالى، وقد وضّح الله لنا هذا التلاعب والتغيير في التوراة في سورة البقرة حيث قال:
{ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}.
القرآن لايقر حقاً لشعب في إحتلال غيره على وعد ديني فالمبدأ الرباني يقول:
• الأرض لله وليست حكراً على أحد.
• ولله ملك السماوات والآرض.
• إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وهذا المبدأ الرباني يعني ان الملكية النهائية لله، وليست امتيازاً عِرقياً دائماً.
قال تعالى في سورة المائدة:
{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}.
وهذه الآية التي يتمسك بها الصهاينة اليوم، لكن في نفس السياق يبيّن أنهم رفضوا القتال، فقال تعالى:
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}
أي أن “الكتابة” لم تكن وعداً أبدياً غير مشروط، بل تكليفاً مرتبطاً بالطاعة.
وحذر الله تعالى بني إسرائيل من ان الفساد يؤدي الى زوال التمكين، فقال:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}،
وهنا نرى ان الآيات تربط الفساد بزوال القوة، ما يدل ان البقاء في الأرض ليس حقاً مطلقاً.
الأهم أن القرآن لا يقر إحتلال ارض الآخرين، حيث قال:
﴿لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقال في سورة الأنفال:
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾،
إذا المعيار هو العدل وعدم الإعتداء.
ان الله يعترف بتعدد الأمم وحقها في الوجود، حيث قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
أي رفض فكرة الإقصاء العرقي أو التفوق الديني الذي يُبرر الاستحواذ على أرض الآخرين.
الإستناد الى نصوص دينية لتبرير التوسع السياسي لايصنع شرعية قانونية ولا أخلاقية، فالقرآن الذي يؤمن به أكثر من مليار ونصف مليار مسلم لايمنح اي أمة حقاً ابدياً في إحتلال غيرها.
خلاصة القول لما قلته أعلاه:
ما قاله هاكابي يمثل خلطاً خطيراً بين الإيمان الديني والسياسة الدولية، وتفتح الباب أمام شرعنة الصراعات على اساس لاهوتي لا قانوني.
• الإدعاء بالحق الديني في الأرض لايُنشئ شرعية سياسية في عالم تحكمه قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على عدم جواز الإستيلاء على اراضي الغير بالقوة.
• القرآن الكريم الذي يعتبر مرجعية دينية لمئات الملايين لا يقر حقاً عرقياً لأي امة في إحتلال ارض غيرها، بل يقول القرآن:
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ويقول ايضاً:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
لذلك فتوظيف نصوص دينية لتبرير مشروع توسعي معاصر يتعارض مع المبادئ الأخلاقية العامة التي تؤكدها الرسالات السماوية.
• منطقتنا ليست ساحة لصراع نصوص، بل موطن شعوب متجذرة في ارضها وتاريخها وحقوقها، لا يُمكن ان تُلغى بتغيير ديني، العدالة لاتُبنى على وعود لاهوتية مؤوَلة، بل على التعايش والإعتراف المتبادل والإحتكام الى القانون الدولي.
ماهو السند القانوني الدولي:
1) مبدأ عدم جواز الإستيلاء على الأرض بالقوة:
ميثاق الأمم المتحدة (1945) أسست لقاعدة جوهرية في القانون الدولي المعاصر يحضر فيه استخدام القوة او التهديد ضد سلامة اراض اي دولة أخرى، هذا المبدأ اصبح قاعدة آمرة (Jus Cogens) اي لا يجوز تجاوزها او تعطيلها بإتفاق سياسي او تأويل ديني.
وقد أكدت الأمم المتحدة في عشرات القرارات ان إكتساب الأراضي بالقوة غير مشروع.
2) من ابرز قرارات مجلس الأمن:
– القرار 242 (1967) يؤكد عدم جواز الإستيلاء على الأراض بالحرب.
– القرار 338 (1973) يدعو لتطبيق القرار 242.
– القرار 2334 (2016) يعتبر المستوطنات في الأراضي المحتلة ليس لها شرعية قانونية.
هذه القرارات تشكل اطاراً قانونياً بأن التوسع الإقليمي بالقوة لايُنشئ حقاً سيادياً.
3) رأي محكمة العدل الدولية:
في 2004م اعتبرت المحكمة ان الإجراءات الأحادية التي تُغيّر وضع الأراضي المحتلة تُخالف القانون الدولي.
فالشرعية الدولية تُبنى على القانون لا على السرديات الدينية.
التأثير المتوقع على القضية الفلسطينية:
• قد يتراجع الدعم الأمريكي للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية.
• تصريحات هاكابي تعكس وجهة نظره الشخصية الذي قد يؤدي في التغطية الدبلوماسية الأمريكية الرسمية.
• قرارات الأمم المتحدة ومواثيق القانون الدولي ملزمة لأمريكا، ولكنها تواجه ضغطاً سياسيا داخلياً بدعم إسرائيل خصوصا في وجود سفراء مثل هاكابي.








