بقلم: د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
تلعب الرياضة دورًا محوريًا في بناء الإنسان بشكل متكامل، جسدًا وعقلًا، وهو ما عبّرت عنه المقولة الخالدة، العقل السليم في الجسم السليم. وهذا الدور الهام للرياضة لا ينبغي أن يُختزل في مجرد منافسة على فوز أو خسارة، ولا أن يُختصر في انتماء ضيق لنادٍ أو مدينة أو دولة، بقدر ما يجب أن يُنظر إلى الرياضة بوصفها واحدة من أهم أدوات التقارب الإنساني، ووسيلة جامعة تلتقي عندها الشعوب، وتتجاوز من خلالها الحدود الجغرافية، واختلاف اللغة والثقافة.
فالرياضة، في أصل نشأتها وفلسفتها، وُجدت لتعزيز قيم السلام والتفاهم بين الأمم. ويكفي أن نتأمل الهدف من إعادة إحياء الألعاب الأولمبية الحديثة في أثينا عام 1896، والتي جاءت لتكون منصة عالمية تجمع الشعوب على التنافس الشريف، وتُبعدها عن الصراعات والحروب، وتُرسّخ ثقافة التعارف والاحترام المتبادل والسلام، ونبذ التعصب والفتنة. الرياضة من هذا المنطلق، لا يمكن أن تكون أداة لإثارة الكراهية بين المناصرين للفرق والمنتخبات، أو تغذية النزعات العدائية تحت فكرة الحماس أو التنافس.
وقد عكست بطولة كأس الأمم الإفريقية الأخيرة، التي استضافها المغرب الشقيق، هذا المعنى الإيجابي بشكل كبير في بدايتها، حين بادر الأشقاء المغاربة بتشجيع جميع المنتخبات العربية بروح أخوية صادقة، دون انتظار مقابل أو مصلحة. غير أن هذه الروح الجميلة تعرّضت للاهتزاز مع بداية الأدوار الإقصائية، نتيجة تصريحات إعلامية متفرقة من هنا أو هناك، أثارت جدلًا حول صحة هدف أو أحقية ضربة جزاء، وهي أمور تحكيمية واردة في كل البطولات. ثم جاءت تصريحات وتصرفات بعض المدراء الفنيين للفرق داخل وخارج المستطيل الأخضر لتشعل حدة الجدل أكثر وأكثر. وهذه الأمور واردة في كل المناسبات الرياضية ولا ينبغي أن تتحول إلى سبب لانقلاب كامل في المشاعر والتوجهات، أو لتشجيع مضاد بقوة تصل إلى التشويش على النشيد الوطني للدول التي كنا نشجعها بالأمس، خاصة حين يكون الأمر موجّهًا ضد فريق يمثل مصر وما تمثله من تاريخ طويل وعلاقات قوية مع الأشقاء. وقد انعكس هذا التوتر في النهاية على مشاعر الجماهير المصرية، رغم أن المصريين بطبيعتهم يكنّون محبة خاصة للمغرب وكرة القدم المغربية، وكانوا من أكثر الداعمين لها في بطولة كأس العالم الماضية، واعتبروا وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي – كأول منتخب إفريقي يحقق هذا الإنجاز – فخرًا لكل العرب والأفارقة، وليس إنجازًا مغربيًا فحسب.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حين ينتقل التنافس الرياضي من حدوده الطبيعية داخل المستطيل الأخضر إلى مستوى المشاعر الجمعية للشعوب، فيتحول من مجرد تنافس رياضي إلى حالة من الاستقطاب العاطفي، قد يستغلها أصحاب الأهواء أو الأجندات المغرضة لتأجيج مشاعر عدائية أوسع بين اشقاء. فيقوم أصحاب المصلحة في بث الفرقة بدعم كل ما يأجج هذا الاحتقان الذي سرعان ما يمتد من الرياضة إلى مجالات أخرى، فتبدأ المعايرات السياسية، والتقليل من شأن الدول المنافسة، ليس رياضيًا فحسب، بل سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، في انزلاق خطير يفرغ الرياضة من معناها النبيل.
هذه التصرفات تثير تساؤلًا لدي وهو لماذا يصرّ البعض على اعتبار الرياضة مقياسًا لمكانة الدول أو تاريخها، أو معيارًا للحكم على دورها الإقليمي أو الحضاري؟ هذا التصور للرياضة لا يستند إلى منطق أو واقع. فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تُعد أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم الحديث، لكنها ليست الأولى عالميًا في معظم الرياضات، بما فيها كرة القدم وكرة اليد والكرة الطائرة ومعظم ألعاب القوى. وفي المقابل، تُعد البرازيل قوة عظمى في كرة القدم، لكنها ليست واحدة من الدول العظمى سياسيًا أو اقتصاديًا.
وبالمثل، فإن مكانة مصر لم تُصنع عبر البطولات الرياضية وحدها، على الرغم من قيمتها وأهميتها، بل تشكّلت عبر تاريخ طويل من الأدوار الوطنية والقومية، ودعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي، والوقوف الدائم إلى جانب الشعوب في نضالها من أجل الاستقلال والكرامة. لقد كانت مصر على الدوام حاضنة للمناضلين الأحرار، وملاذًا لكل صاحب قضية عادلة. ويكفي أن نستحضر ذلك المشهد العميق الدلالة لمشجع منتخب الكونغو الديمقراطية، الذي حرص على إحياء ذكرى المناضل الإفريقي الكبير باتريس لومومبا في مدرجات البطولة، لنتذكر أن القاهرة كانت يومًا ما الملجأ الذي احتضن أبناء هذا الرمز الإفريقي بعد أن اغتاله الاستعمار. تلك هي الذاكرة العميقة التي ينبغي أن تربط الشعوب ببعضها، ذاكرة تتجاوز كثيرًا نتيجة مباراة أو هدف ضائع، وتستند إلى قيم مشتركة وتاريخ إنساني واحد.
إن الرياضة، حين تُمارَس بروحها الحقيقية، قادرة على ترسيخ هذه الذاكرة المشتركة التي ننشدها، وعلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الكبرى مثل الاحترام المتبادل، والتسامح، وتقبّل الآخر، والإيمان بأن الاختلاف داخل الملعب لا ينبغي أن يفسد للود قضية، ولا أن يقطع أواصر علاقات تاريخية متينة تجمعها وحدة الدين واللغة والمصالح المشتركة. أما حين تُستغل المناسبات الرياضية لإشعال المشاعر السلبية، أو لتغذية إحساس الشعوب بالاستهداف في إطار نظريات المؤامرة التي تنتشر في مجتمعاتنا بصورة مقلقة، فإن الرياضة تفقد رسالتها السامية، وتتحول من جسر للتلاقي إلى أداة للفرقة والانقسام.
ومن هنا، تتعاظم مسؤولية جميع أطراف المنظومة الرياضية: اللاعبين، والمدربين، والإداريين، والإعلام، والجماهير على حد سواء، في الحفاظ على الرياضة كمساحة للتقارب لا للتنافر، وكوسيلة لتعزيز الروابط بين الشعوب لا تعميق الفجوات بينها. فالتنافس الحقيقي لا يُقاس فقط بمن نغلبه داخل الملعب، بل بقدرتنا على احترامه، وبالخروج من المنافسة أكثر وعيًا بقيمة الرياضة ودورها في بناء الإنسان قبل حصد البطولات.
وستظل الرياضة، عندما يحسن فهمها وتوظيفها، لغة عالمية توحّد ولا تفرّق، وتقرب بين الشعوب أكثر مما تباعد بينها، وتبقى خير شاهد على أن ما يجمع الإنسانية من قيم ومصالح وتاريخ مشترك، أكبر بكثير مما قد يفرّقها.







